لئلا يتصدّع السقف

من هنا وهناك
لئلا يتصدّع السقف
عبدالله بن سالم المالكي
لن يتصدع السقف الذي يظلل الأرواح الا إذا حدث خلل كبير وتباين شاسع بين أبناء الأسرة ولذلك فإن التفكك الأسري ليس حادثة طارئة تُقاس بوقتٍ محدد، بل هو مسارٌ خفيّ يبدأ غالبًا بصمتٍ ثقيل، ثم يتسع حتى يصبح واقعًا يعيشه أفراد الأسرة دون أن يشعروا متى انزلقوا إليه، وهو ليس مجرد انفصالٍ جسدي بين الأبوين، بل قد يكون حاضرًا في بيتٍ واحد، حيث تتباعد القلوب رغم تقارب الجدران.
فالتفكك الأسري هو فقدان الرابط الذي يمنح الأسرة معناها الحقيقي: الأمان، والاحتواء، والتكامل.
ولا يحدث إلا حين يغيب الحوار، وتُستبدل الرحمة بالندية، ويُختزل التواصل في أوامر أو صمت، فتبدأ الأسرة بفقدان روحها، وتتحول إلى كيانٍ شكليّ بلا دفء.
وللتفكك الأسري جذور متعددة تؤدي الى نتيجة واحدة ولا يمكن ردّه إلى عاملٍ واحد. بل أن هناك عدة عوامل من أبرزها ضعف الوعي الأسري الذي يحدث حينما يدخل الزوجان الحياة الزوجية دون إدراك حقيقي لمسؤولياتهما فتتحول التحديات الطبيعية إلى أزمات متكررة.
كذلك الضغوط الاقتصادية كالفقر أو سوء إدارة المال مما يولد لدى الأسرة توترًا دائمًا، يُترجم إلى خلافات تتكاثر مع الزمن و تتآكل معها المودة والرحمة .
كذلك التدخلات الخارجية في شؤون الأسرة حين يفتح أحد أفراد الأسرة الأبواب ليتدخل الآخرين في تفاصيل الحياة الخاصة بين أبناء الأسرة الواحدة فتفقد القرارات استقلاليتها والأسرة سيادتها .
أيضاً ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي ، رغم فوائدها، في خلق مسافات نفسية، وخلافات عائلية لا حصر لها .
و لا يقف أثر التفكك الأسري عند حدود العلاقة بين الزوجين، بل يمتد ليصيب الأبناء في عمق تكوينهم النفسي والاجتماعي، فالطفل الذي ينشأ في بيئة مضطربة غالبًا ما يعاني من فقدان الشعور بالأمان و ضعف الثقة بالنفس واضطراب في العلاقات المستقبلية مع ميلٍ للعزلة أو السلوك العدواني .
كما أن المجتمع يتأثر أيضاً بهذا الداء العضال ، فالأسر المفككة تُنتج أفرادًا أقل استقرارًا، مما ينعكس على تماسك المجتمع ككل ويؤثر على اللحمة الوطنية .
ورغم قسوة المشهد إلا أن التفكك ليس نهاية المطاف بل يمكن الحد منه ومعالجته عبر تعزيز الحوار فالكلمة الصادقة قد تُعيد بناء ما هدمه الصمت كذلك نشر الوعي بثقافة الحياة الزوجية وضرورة التكيف مع الصدمات المستقبلية إيضاً من الضرورة بمكانة المرونة والتنازل فليست كل المعارك تستحق الانتصار، فبعض الخسارات الصغيرة قد تحفظ كيانًا أكبر .
ختاماً :التفكك الأسري ليس نهاية الطريق، بل إنذار مبكر بضرورة المراجعة. فكل أسرة تحمل في داخلها القدرة على النهوض، إذا أدركت أن الحفاظ عليها ليس واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل مسؤولية إنسانية تجاه جيلٍ يتشكل بين أيديها.
كاتب رأي ومستشار أمني



