كل مصائبنا من زرياب و آل الشيخ !!

محمد الفريدي
كل مصائبنا من زرياب و آل الشيخ !!
منذ سنوات، قرأت مقالا يدّعي كاتبه أن سبب سقوط الأندلس هو زرياب وموسيقاه، وصوّر حضارتنا العظيمة وكأنها انهارت بسبب فنان. والغريب أن بعض من يسمّون أنفسهم نخبا مثقفة يردّدون هذا الرأي في مجالسهم، ويجزمون بأن تركي آل الشيخ بحفلاته اليوم سيسقط دولتنا كما أسقط زرياب الأندلس. وقد ظل هذا المقال عالقا في ذهني حتى اليوم، لا لعمقه أو إقناعه، بل لأنه أتفه ما قرأت في حياتي، وأرى أن صاحبه جدير بأن يُسجَّل في موسوعة غينيس كأغبى محلل سياسي على الإطلاق.
وكثير من السعوديين، مثل غيرهم من العرب، يميلون إلى أولئك الذين يدّعون النخبوية الثقافية ويتدخلون في السياسة بلا علم، ويحرضون على رفض الفنون والموسيقى لأنها ـ كما يزعمون ـ تسقط الأمم. وهم في واقع الأمر “خبازون يخبزون الطين بدل الطحين”، ناسين أن السياسة علم دقيق يحتاج إلى فهم المجتمع وتاريخه ونفسيته وتركيبته الاجتماعية، ومعرفة ما يحتاج وما لا يحتاج، وأن التدخل فيها بلا معرفة يشبه وضع النار على برميل بارود جاهز للانفجار.
منذ قراءتي لذلك المقال، وضعت قائمة سوداء لكل من يكتب تفاهات ونظريات مفككة، وأضع كل مقال تافه في خانة تليق بسخافته، فقد وجدت في القائمة، مثلا، كاتبا ـ لا داعي لذكر اسمه ولا يستحق القراءة ـ فاز بالمركز الأول في مسابقة التفاهة الثقافية، يليه آخر في المركز الثاني لا يقل عنه سخافة.
ولكن صاحب النظرية الأسخف هو من جعل زرياب وموسيقاه سببا لسقوط الأندلس، فكلما قرأت مقاله أضحك بصوت عال، لأن أكثر المقاطع الكوميدية على اليوتيوب وتيك توك لا تصل إلى مستوى سخافته.
هناك من يعتقد فعلا أن زرياب والفن والفنانين كانوا سبب سقوط الدولة الأموية في الأندلس، وأن عزفهم على آلة العود بين الخاصة والعامة كان الخنجر المسموم الذي طعن حضارة كاملة في قلبها، فسقطت فجأة، وكأن السياسة والخيانات والمؤامرات والحروب لم يكن لها أي دور يُذكر.
لكن الحقيقة أن الأمم لا تنهار بمثل هذه الأسباب السطحية، بل تنهار بالجهل والظلم والفساد والصراعات الداخلية التي تنخر جسدها كما ينخر السوس الخشب، وبالخيانة والتفكك وفقدان العدل، حتى إذا جاءها العدو من الخارج وجدها خاوية على عروشها.
فتجاهل هؤلاء لأسباب سقوط الأندلس الحقيقية، وتحميل زرياب ومن معه المسؤولية، ليس إلا هروبا من مواجهة الحقائق الثقيلة، ومحاولة يائسة للضحك على أنفسهم بأوهام لا تقنع حتى الأطفال، ولو اطّلع الحاجب المنصور على تحليلاتهم وقرأ مقالاتهم، لاهتز قبره من الضحك سخرية من تهكمهم على الفنانين الأندلسيين وزرياب، الذين لا ناقة لهم ولا جمل في سقوط الأندلس.
مشكلتنا، كما في غيرنا من البلدان العربية، أن كل من ليس له اختصاص في السياسة صار يعلّم الناس السياسة؛ فبائع الشاي، والممثل، والحلاق، وعامل المصنع، والكاتب المبتدئ، وسائق التاكسي —الجميع أصبحوا خبراء في كل شيء، وعندما يختلف أحدهم مع شركة الكهرباء، على سبيل المثال، يراه مؤامرة مدبَّرة ضده كمواطن من الدولة.
وكان على الدولة أن تكون أكثر صرامة مع هؤلاء الذين يتهمون الفن والمشتغلين به، لأن مجتمعنا حساس، وكل كلمة بلا معنى تترك أثرا عميقا فيه، حتى وإن لم يُرَ أثرها على الفور، وحرية التعبير لا تعني أن يتحوّل الجاهل إلى مرشد سياسي؛ فالسياسة علم معقد، والتحليلات التافهة، مثل النظرية الزريابية، لا تجلب لنا إلا الشحن النفسي، والعصيان، والتمرد، وتزرع بذور الشك والريبية في عقول من يصدّقها، حتى يتحوّل الفن والفنانون والهيئة القائمة عليهم إلى هدف للسخرية بدل أن يكونوا مصدر إلهام وحضارة.
باختصار، كل من يتحدث في السياسة بلا علم، ويربط بين زرياب وسقوط الأندلس بالكتابة أو الحديث، ليس إلا سخيفا نضحك منه لنحافظ على صحتنا العقلية، وكل من يحاول تصوير التاريخ والسياسة من خلال مثل هذه التفاهات يثبت فقط جهله وابتعاده عن فهم الواقع، بينما الحقيقة تبقى أكبر وأعظم من كل التحليلات السخيفة والمؤامرات الوهمية التي لا أساس لها إلا في مخيلته.
هذه “النظريات الزريابية” لم تكن حبيسة الماضي، بل امتدت إلى الحاضر، فأصبح بعضنا يفسر كل انفتاح في المملكة على أنه مؤامرة كونية، حتى الخلافات الزوجية يزعمون أن الدولة وراءها وهي السبب. وهؤلاء الذين يصفون أنفسهم بالنخب المثقفة، وهم في الحقيقة مجرد باعة فوضى فكرية وكلامية، يعيشون على الوهم ويغذّون عقولا خاوية تبحث عن شماعة تعلق عليها إخفاقاتها، فتتحول أعذارهم الواهية وقصصهم السخيفة إلى دليل على فشلهم بدل أن تكون حافزا لهم على النهوض.
ذلك العقل المفلس فكريا بلغ أقصى درجات السخافة؛ فكل فكرة يطرحها انفجار عبثي، وكل تحليل سياسي لا يتعدى كونه نظرية مؤامرة مستهجنة تثير الضحك والغضب معا، ولو سمعت ولادة بنت المستكفي كلامه، لاهتز قبرها هي الأخرى ضاحكة على التناقضات والهَرَاء الذي يقدمه بلا خجل ولا توقف.
أما زرياب و “أخوياه” كبش الفداء والحلقة الأضعف، فقد حُمّل كل خطايا التاريخ، وجُعل سببًا لانهيار حضارة بأكملها، وكأن أمة بأسرها تختزل مجدها التليد وقوتها وانكسارها في عود ومغن، لتُعفي السيوف الصدئة والعقول العاجزة من وزر السقوط، بينما الحقيقة تبقى أن سقوط الأمم لا يُقاس بالأسماء أو الأشخاص، بل بغياب العدالة، وتآكل القيم، وضعف الرؤية، وتنازل الشعوب عن دورها في حماية حضارتها.
ولم يقف المشهد عند زرياب وحده، بل جاءت كتابات ذلك الكاتب لتغلف العبث بطلاء ثقافي، فتتحول نظرياته إلى مسرحية هزلية بامتياز؛ لتضحك حتى ابن خلدون لو قام من قبره على سذاجة التحليل، وتترك المؤرخين في حيرة مذهلة، عاجزين عن فهم كيف يُختصر تاريخ أمة عظيمة في مقال تافه وتحليل سخيف.
مشكلتنا أننا نعيش في عالم يظن فيه البعض أنفسهم خبراء في إدارة الدول وصناعة المؤامرات، فتتحول كل أزمة صغيرة في خيالهم إلى مؤامرة ضخمة، ويصبح النقاش العام مسرحا للعبث، تتضخم فيه الأكاذيب ويغيب العقل والمنطق، ولا يدركون أن التاريخ لا يُصنع بالأوهام، ولا تُدار الدول بالخرافات، وأن السياسة ليست ‘تسلية’ لكل من يريد لفت الأنظار ونشر الفوضى في المجتمعات.
مشكلتنا أننا نصنع بأيدينا من التافهين رموزا، ومن المهرجين قادة فكر ورأي، حين نفتح لهم المجال بالكتابة في صحفنا، ثم نلوم زماننا إذا انهارت الدول والمجتمعات. فهل يعقل أن يظهر شخص لم يقرأ في حياته سوى مقالات سطحية ليعلّمنا كيف تُدار الدول وكيف تُبنى الأمم وتنهار؟ وهل يُعقل أن يطلّ علينا معارض يتسكع بين مقاهي أوروبا، ويتلقى دعما من عواصم غربية وعربية، ثم يتحدث بلساننا عن “الحرية والديمقراطية” والحلال والحرام والعفاف والانحلال، وكأنه اكتشف الذرة وأننا بحاجة ماسة لهذا الكلام؟
المشكلة ليست في هؤلاء وحدهم، بل في أولئك الذين يصفقون لهم ويمنحونهم المنابر، ويحوّلون سقطاتهم الفكرية إلى أناجيل تُتلى، ويصنعون من العدم نجوما، ويمنحون أصواتهم لمن يبيعون علينا الوهم، ثم يتباكون على أطلال عقولنا بعد أن ينهار كل شيء، وكأنهم عباقرة في إعادة إنتاج المأساة نفسها، ويختلقون أسماء جديدة لنفس الفشل، ونسلّم حضارتنا مرة بعد مرة للهواة والمهرجين، دون أن نتعلم أو نستلهم العبر من تاريخنا العريق.
وأخطر تهديد يواجه مجتمعنا هو الفكرة الفاسدة التي تسمم أمة بأكملها؛ حين تتحول التفاهة إلى مرجع، والسطحية إلى منهج، ويصبح الناس أسرى لقلة لا تعرف من التاريخ إلا صدى أصواتها، ولا من السياسة إلا لعبة يلهون بها على حساب مصائر الآخرين.
قبل سقوط الأندلس، تمزّقت القوى بالصراعات، وانشغل القادة باقتسام الغنائم، فيما غرق المثقفون في سفاسف لا تُغني ولا تُسمن من جوع، واليوم نعيد المشهد ذاته؛ بدل أن نفتّش في جذور التقدّم وأسباب التخلّف، بتنا نصنع الأساطير ونقدّمها للناس في صورة حقائق مطلقة تُرفع فوق النقد وكأنها مسلّمات، ونحن، بلا وعي أو إدراك، نسمح لأنصاف المتعلمين والمهرجين الفكريين بأن يعيدوا كتابة تاريخنا وصياغة حاضرنا، فتضيع الحقيقة بين هراء يُقدّم على أنه علم، وتنهار الأمة مرة أخرى تحت عبء الهذيان الذي نتلقاه من هؤلاء وهؤلاء.
انظر إلى البعض هنا وهناك، وهم يختزلون نظاما قائما على مؤسسات وقوانين وثقافة راسخة في شعارات ركيكة لا تصلح إلا للملصقات والهاشتاقات، ويبرعون في توظيف صغار العقول للتحريض على الدولة ورموزها، تارة باسم المطالبة بالحرية، وأخرى باستهداف الفنون المتنوعة وآل الشيخ.
نحن أمام مشهد عبثي: شعب يسعى إلى نهضته، ونخب تشده إلى الوراء. شعب يطالب بمشاريع ترفيهية كبقية الدول، ونخب تقدّم له أساطير زرياب وسقوط الأندلس، ليعود عدة قرون إلى الوراء. شعب يريد حلولا واقعية لهمومه وتعاسته، ونخب تبيع له الوهم المغلف بالكلمات الكبيرة، ليظل أسيرا لتعاسته بدل أن يتحرك نحو الحقيقة والتنمية، ويتخلص من إعادة تدوير الأساطير القديمة وتقديمها له كحقائق، حتى لا يظل طوال عمره بين السخرية والضياع.
فحين نسمح للسطحية والجهل أن يحتلوا المنافذ الفكرية، نصبح نحن الضحية الأولى، والفكرة المغلوطة تنتشر أسرع من الحقيقة، والأسطورة تُقدّم بدل البحث والتدقيق. ونحن، في سعينا للنهضة، نجد أنفسنا أمام مفترق طرق؛ بين مبادرات واقعية تُقابل بالتجاهل والتشكيك والتخوين، وبين أوهام الأساطير التي تُقدّم لنا على أنها حلول واقعية، فتضيع منا الفرص ويظل التقدّم حلمًا بعيد المنال، لهذا نهضتنا لا تُبنى بالكلام الرنان ولا بالأساطير التاريخية المزيفة، بل بالوعي والجهد، وبإرادتنا المتجذرة في الحقائق والوقائع، وقدرتنا على مواجهة التحديات.
باختصار، لا تسقط الأمم بسبب موسيقى أو مهرجان، ولا تُهزم الحضارات بعازف أو مغن. السقوط الحقيقي يبدأ حين يضعف وعي الشعوب، وينحصر تفكيرها في التفاهات، ويغيب الإبداع عن حياتها. الفنون والثقافة نبض حياتنا وجوهر حضارتنا، وحين نغفل عنها، نترك أرواحنا عرضة للجمود. والنهوض لا يتحقق إلا بالوعي، وبالحقيقة، وبالقدرة على صناعة الفرح وبث الحيوية في مجتمعنا، ليصبح الإبداع طريقا للتمكين والبقاء الحضاري، ومن يغفل عنهما، لا يمنح وطنه القدرة على الصمود والنمو والتألق عبر الأجيال.
كاتب رأي
مبدع كعادتك ابا سلطان
وعلامات وبالنجم هم يهتدون
وجل مقالاتك علامات ونجوم ساطعه تنير العقول والدروب
وبمناسبه دخول سهيل هذا اليوم المتزامن مع مقالك وان جاز التعبير يعتبر مقالكم اليوم هو سهيل مقالاتكم السابقه التي تتباشر العرب بظهوره لانه تباشير الخير وتجدد المزاج العام وازدهاره
نعم العلم يبني بيوتا لاعماد لها والجهل يهدم بيوت العز والشرف
رحمك الله يازرياب وولاده انجازاتكم ونهضتكم الفكريه والادبيه اصبحت شماعه للجهله في زمان كثر فيه الغث اللذين شوهوا الحياه ونهضتها
أستاذي وأخي الكبير أبو وعد، تعليقكم بحد ذاته لوحة أدبية لا تقل جمالا عن النصوص التي نكتبها، وما أروع تشبيهكم بظهور سهيل الذي تتباشر به العرب، فالكلمة الصادقة أيضا نجم يهدي التائهين، ويكسر عتمة الغفلة.
نعم، كما تفضلتم : العلم يبني والجهل يهدم، وما زرياب وولادة إلا رموز نهضة فكرية وحضارية، حوّلها الجهل المعاصر إلى شماعة تُعلّق عليها إخفاقات الحاضر.
شكرا لكلماتكم التي تضيء الدرب، سيدي، وتؤكد أن الفكر حين يلتقي بالصدق يصبح فعلا سهيل المعرفة وبشائر الوعي.
تلميذكم / أبو سلطان
لقد أحسن كاتبنا الكبير، حين فضح هذه الأوهام، فبين أن التاريخ لا يُختزل في مغن ولا يُفسر بعود، إنما يُقرأ في صراع القوى، وفي ميزان العدل والظلم، وفي يقظة العقول أو غفلتها. وهذه الإضافة تضع النقاش في موضعه الصحيح: فالفن شاهد على رقي الحضارات، أما سقوطها فيصنعه التفكك والجهل، لا الأوتار والألحان.
أخي الكريم الأستاذ الفاضل فيصل الكثيري، أثريت الطرح بإشارتك العميقة، فالتاريخ لا يمكن أن يُختزل في مغن أو يُفسر بعود، كما تفضلت، بل يُفهم في سياق صراع القوى، وميزان العدل والظلم، ويقظة العقول أو غفلتها، والفن كما ذكرت لم يكن يوما سببا في سقوط الحضارات، بل شاهدا على رقيها وذروتها، أما الانهيار الحقيقي فصنعته الفرقة والجهل والتفكك، وشهادتك هذه تعيد النقاش إلى مساره الصحيح، وتؤكد أن النهضة لا تُبنى إلا بالوعي والعدل والإبداع.
أخوكم / أبو سلطان