كُتاب الرأي

كلمة تهدي أجيالا

كلمة تهدي أجيالا

فيصل الكثيري 

لكل أمة ذاكرة تشبه قلبها، تحفظ نبضها وتمنحها معنى البقاء. قد تغيّر القوة ملامح الواقع لحظة، ويبرق النصر حينا ثم يخبو، لكن الكلمة الصادقة تبقى، يكتبها الحكماء لتكون نورا يهتدي به من يأتي بعدهم. فالتاريخ مزدحم بالوقائع، غير أنّ قيمته الحقيقية فيما يورثه من حكم وتجارب، وما يتركه من قبس يضيء عتمة الأيام لمن يلتمس السبيل. وقد أدرك هذه الحقيقة الشيخ عبد الله بن محمد المزروع (1321هـ/1903م – 1385هـ/1965م)، الذي عاش في مكة زمن التحولات الكبرى وبدايات الدولة السعودية الثالثة. كان قريبا من أهل الفكر والعلم والأدب، فوعى أن العمر قد ينقضي، لكن الكلمة الخالصة تبقى أطول من صاحبها، وأن نصيحة عاقل قد تصبح زادًا لأجيال لم تره ولم تسمع صوته، لكنها تعيش على أثره.
ثلاثون عاما ظل المزروع يجمع وصايا العلماء والمفكرين الذين لقيهم، حتى جمعها في كتاب خالد عنوانه: ((وصايا أساطين الدين والسياسة والأدب للشبان)). من الميمني إلى العقاد، ومن الطاهر بن عاشور إلى الطنطاوي؛ أصوات متباينة اجتمعت على حرص واحد: أن تبقى الكلمة منارة تهدي الشاب وتحميه من الحيرة، وتذكره أن الرأي الرشيد هو أول ما يُطلب في معترك الحياة. ولم يكن عمله جمع أوراق مبعثرة، إنما إيمان بأن الحكمة إذا لم تُقيّد بالمداد بعثرتها الرياح، وأن الكلمة إذا خرجت من قلب مخلص قد تزهر بعد حين، كغرسة صامتة تنتظر موسمها لتمنح ظلّها وثمرها. ولعل ما يجعل وصاياه أكثر قيمة اليوم، أنها ليست دروسا جامدة؛ هي شهادات حيّة تؤكد أن أمتنا كانت ولا تزال غنية بالعقول القادرة على الصمود أمام تقلبات الدهر.
واليوم، في عالم يفيض بالسرعة حتى تكاد المعاني تتلاشى وسط صخب اللحظة، نحن أحوج ما نكون لإحياء هذه السُّنّة الكريمة: أن ندوّن وصايانا، وأن نستكتب من نلقى من أهل التجربة والرأي. فالأمم لا تُبنى بالمؤسسات وحدها؛ هي تُبنى بقدرتها على أن تورث أبناءها الفكر والوجدان، ليصير العقل ميراثا خالدا يوازي كل ميراث مادي، ويحفظ للميراث المادي معناه وقيمته. فما نفع ثروة بلا بصيرة؟ وما جدوى علم بلا حكمة؟.
أنـا لم أبلغ مصافّ الحكماء، غير أن ما عشته يحمّلني أن أترك كلمة بعدي: أوصي نفسي ومن يأتون من ذريتي أن يجعلوا العقل رفيقهم في كل دروبهم، وأن يوازنوا بين دفء القلب وبصيرة الفكر، فلا يطغى الهوى إذا غلبت العاطفة، ولا يقسو الشعور إذا استبدّ العقل وحده. فالحياة لا تستقيم إلا إذا كان العقل سراجا، والعاطفة زيته، والفكر بوصلة تهدي الإنسان في متاهات الأيام.
ولعل الكلمة حين تُكتب تصبح أشبه بجسر بين الغائب والحاضر، بين ماض مضى وآت لم يولد بعد. هي الهدية التي لا تنفد، والعهد الذي يظل حاضرا وإن غاب صاحبه. أن الإنسان لا يقاس بما يملك.. ولكن بما يتركه من فكر ووصية وذكرى تفتح للآخرين دربـا من نـور.

كاتب رأي

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى