كُتاب الرأي

قيادة العقل قبل إدارة العمل

قيادة العقل قبل إدارة العمل

وأنا أهمُّ بالكتابة عن اليوم العالمي للمدير، شد انتباهي أن أكثر الفلاسفة والمفكرين نظروا إلى أن المدير أو القائد يعتبر شخصية محورية في تنظيم الجماعات وتحقيق الأهداف، وكل واحد منهم ركز على جانب مختلف من القيادة والإدارة، فأرسطو يراه موجهًا لمن يرأسهم نحو الخير العام وليس نحو مصالحه الشخصية، وأكد أن الأساس  في القيادة الناجحة هو: القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة  والوعي الذاتي والحكمة في القيادة أما جون لوك فركز على أن المدير يجب أن يقوم بعمله على أساس الاهتمام لا التسلط، بينما يرى أفلاطون أنه يجب على القائد الربط بين الحكمة والمعرفة والقدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة، ولكن في نفس الحال يرى هنري فورد أن إدارة الأشخاص ليست مسألة سلطة إنما هي مسألة تحفيز وفهم لما يدور حوله.

من هذه المنطلقات نعتقد أن كل مؤسسة تثبت نجاحها معنى هذا أن فيها قائدًا ملهمًا ومديرًا متفردًا.

فيجب علينا إدراك هذا الشيء! أنّ وراء كل مؤسسة ناجحة، هناك عقلٌ يقود قبل أن تكون هناك يدٌ تُنفّذ. المدير الحقيقي ليس من يُتقن تنظيم الجداول أو ضبط الإيقاعات اليومية فحسب، المدير الفعلي من يُفكر في معنى التنظيم نفسه ويُعيد مساءلة العادات الإدارية بعيون واعية.

قيادة العقل تعني تحويل الفكر إلى بوصلةٍ للعمل، تجعل من القرار انعكاسًا للنضج وليس للارتجال، ومن السلطة وسيلة للتمكين ورفض للهيمنة.

وفي ظل التغيرات والتحولات المستمرة تزداد التعقيدات على المؤسسات، وتتراجع الإدارة النمطية أمام متطلباتٍ جديدة لا تقبل الجمود ولا تستجيب للقرارات المنفصلة عن الوعي. نجد أنه لم تعد القيادة مجرد موقعٍ إداري يُمارس عبر الأوامر والتعليمات، لكنها أصبحت فعلاً فكريًّا متكاملاً يبدأ من العقل وينتهي إلى العمل. ومن هنا ينبثق المبدأ العميق: «قيادة العقل قبل إدارة العمل»، بوصفه نداءً للتجديد في مفهوم القيادة ودعوةً لتغليب الفكر على الإجراء، والرؤية على الروتين.

هذا يعني أن الإدارة والقيادة صنوان لا يفترقان، مكملان لبعضهما؛ فالإدارة تُعنى بتسيير العمل، أما القيادة فتُعنى بإيقاظ الوعي وما أجملهما حين يجتمعان في شخص واحد.

المدير الذي يقود بعقله يدرك أن الموظفين أو المعلمين أو الطلاب أو حتى المجتمع المحيط به ليسوا أرقامًا في منظومة، إنما طاقات بشرية تحتاج إلى الإلهام والثقة.

إن القيادة الواعية تحوّل العمل إلى رسالة إنسانية، توازن بين العقل والعاطفة، بين النظام والحرية، وبين الكفاءة والكرامة.

الفكر القيادي ليس تنظيرًا أكاديميًا، غير أنه وعيٍ دائم لا ينقطع؛ القدرة على رؤية الأشياء في سياقها الأوسع وفهم العلاقة بين التفاصيل الصغيرة والرؤية الكبرى.

القائد المفكر لا يبحث عن الإجماع فحسب، بيد أنه يفتش عن الاتزان بين الآراء، ولا يسعى إلى السيطرة، لكنه يستكشف وينقب عن العقول النادرة ويجري وراء تحفيز الأدمغة من حوله.

قيادة العقل هي في حقيقتها مشروع إنساني، يقوم على فكرة أن أفضل من يدير هو من يُفكر، وأفضل من يُفكر هو من يستوعب المعنى الإنساني في كل إدارة.

عندنا في الميدان التربوي، المدير ليس مجرد مسؤول إداري، لكنه صانع وعي تربوي وثقافي.

منه تنبع ثقافة المؤسسة، وعن طريقه تُترجم القيم إلى ممارسات.

المدير الذي يقود بعقله يزرع حب النظام وينبذ الخوف منه، ويجعل الانضباط نتيجةً للإقناع وليس للإكراه، ويخلق بيئة تُحفّز التفكير النقدي والمبادرة والمشاركة.

المستقبل لا يحتاج إلى مزيد من المديرين !، علينا أن نعي ذلك، نحتاج إلى قادة مفكرين يرون في مؤسساتهم مختبرات للأفكار وينأون بها أن تكون مسارح للأوامر.

الإدارة الحديثة تُقاس بمؤشرات الأداء، أما القيادة الواعية فتُقاس بعمق الأثر الإنساني الذي تتركه في العقول والسلوك.

إن دعوة “قيادة العقل قبل إدارة العمل” هي دعوة إلى بناء الإنسان أولاً، كون المؤسسة ليست مبنى أو نظامًا، قطعًا وتأكيدًا هي وعي يُنظّم نفسه بالعقل والمسؤولية.

فحين يقود العقل، يتحرر العمل من العشوائية، وتكتسب الإدارة معناها الأسمى بوصفها فنًا من فنون التفكير الإنساني المنظم، فالأسلوب المعتمد على الترتيب والتسلسل بمنهجية عند معالجة المعلومات أو حل المشكلات أو اتخاذ القرارات يجعل من المدير قادرًا على اتخاذ قرارات صحيحة ويعزز التواصل الواضح مع المرؤوسين ثم يدعم الإبداع الموجه.

إذن لا قيادة بلا وعي، ولا وعي بلا فكر، ولا فكر بلا إنسان يُحسن الإصغاء لضميره قبل قراراته.

وهكذا يصبح المدير الواعي هو من يجمع بين حكمة الفيلسوف ودقة الإداري، بين هدوء المفكر وجرأة المصلح.

الواقع والمنطق يقول: إنّ قيادة العقل ليست نعيمًا فكريًا، إنها ضرورة وجودية في كون لم يعد يُدار بالقوة، لكنه يدار بذكاء البصيرة ونضج الفكر.

أخر الكلام

 اليوم العالمي للمدير مناسبة مهمة نحتفي فيها بالدور القيادي والإداري الذي يمثّل العمود الفقري لأي مؤسسة تربوية أو تنظيمية. هذه المناسبة ليست مجرد تكريم للمناصب، صراحة هي فرصة للتأمل في فلسفة القيادة وأثرها العميق على المجتمع والعمل والتعليم.

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي وإعلامي

تعليق واحد

  1. يستاهلك الطيب يا منبع الطيب ، لفتةٌ مقدرة من قائد قدير ، بالإشادة جدير . باسمي واسم كل مدير ، نهنئكم في يوم المدير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى