قراءة في قصيدة “أنا التاريخ”
قراءة في قصيدة “أنا التاريخ” للدكتور عبدالإله محمد جدع: الشعر العربي وصناعة التماسك الوجداني في مواجهة التحديات
د.هشام محفوظ
ناقد أدبي وإعلامي مصري
في زمن تتزاحم فيه الأصوات وتختلط المفاهيم، يظل الشعر العربي ذلك الحارس الأمين للهوية، وذلك السجل النابض بوجدان الأمة. وقصيدة “أنا التاريخ” للدكتور عبدالإله محمد جدع تأتي لتؤكد هذه الحقيقة الأزلية ؛ أن الشعر قادر على أن يكون أكثر من مجرد كلمات موزونة، ليتحول إلى بيان سياسي ووجداني بامتياز، وإلى صرخة مدوية في وجه محاولات النيل من ثوابت الأمة ومقدساتها.
هذه القصيدة التي يقدمها الشاعر السعودي الأديب تأتي في توقيت بالغ الدقة، لتعبر عن موقف واضح من محاولات التزييف والتشويه التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية، وتستحضر في الوقت ذاته عمق العلاقات العربية – العربية، خصوصا الموقف المصري الرسمي والشعبي الرافض لأي عدوان على الأمة العربية والخليج العربي.
إن تعمق بنية القصيدة ولغتها الشعرية قرائيا يكشف عن مجموعة من الرسائل النصية التي راعى الشاعر أن تكون حاضرة قريبة المنال للمتلقي في معناها ومبناها .
نقرأ النص كله أولا ثم نستقرئ بعضا من قطائف حديقته اللغوية والبيانية والدلالية:
كَفَى التزييف في نَفَقِ النَّوايا
أَيَا صَوْتاً يَعربدُ في التَّجَنِّي
تَرَكْتُمْ نَهْشَ ذِئْبٍ فِي فَلاهُ
وَنَفَّثْتُمْ سُمومَ الزورِ عَنّي
أَلِفْنَا خُبْثَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ
وَأَفْرَاحاً تُقَامُ لِطُولِ حُزْنِي
رَعَاعٌ فِي صُفُوفِ الغَدْرِ كُنْتُمْ
وَمَا زِلْتُمْ.. وَلَنْ يَهْتَزَّ رُكْنِي
نَسِيتُمْ كَيْفَ كُنْتُ غَمامَ جُودٍ
تَرُدُّ جَفَافَكُمْ فِي كُلِّ عَيْنِ
وَكَمْ شَيَّدْتُ مِنْ صَرْحٍ مَنِيعٍ
وَحَقَّقْتُ الأَمَانِي والتَّمَنِّي
سَمَوْتُ عَنِ النِّزاعِ وَرُخْصِ قَصْدٍ
وَحَكَّمْتُ الضَّمِيرَ بِكُلِّ شَأْنِ
سَئِمْتُ هتافكم فِي خُبْثِ قَصْدٍ
وَزَجِّي فِي صِرَاعٍ لَيْسَ مِنِّي
وَنَحْنُ لِدَارِنَا سُورٌ مَنِيعٌ
أَمَامَ الخاسئينَ أُولِي التَّجَنِّي
تَمُورُ النَّائِبَاتُ وَنَحْنُ طَوْدٌ
شَمُوخٌ فَوْقَ هَامَاتِ المُجِنِّ
أَنَا التَّارِيخُ مَا هَزَّتْ رِيَاحٌ
ثَبَاتِي.. أَوْ مَحَتْ فَخْرِي وَكَوْنِي
خَلِيجُ العِزِّ وَاحِدَةٌ رُؤَاهُ
وَرَايَتُنَا بِنُورِ الحَقِّ تَبْنِي
الشاعر والأديب الدكتور عبدالإله محمد جدع يستهل قصيدته بلازمة قوية تحمل دلالات عميقة بقوله :
“أَنَا التَّارِيخُ مَا هَزَّتْ رِيَاحٌ … ثَبَاتِي.. أَوْ مَحَتْ فَخْرِي وَكَوْنِي”
هذا الاستهلال يحمل نبرة استعلائية شامخة، حيث يتقمص الشاعر صوت التاريخ نفسه، أو صوت الوطن المتجسد في التاريخ. إنها تقنية فنية رائعة تجعل من النص خطاباً ذا سلطة رمزية عالية. فالتاريخ لا يهتز، ولا تمحوه رياح المتغيرات، وهذه إشارة واضحة إلى رسوخ المملكة العربية السعودية وثباتها رغم كل المؤامرات.
استخدم الشاعر بحرا شعريا خليليا هو الوافر يمنح النص موسيقاه الداخلية القوية، فالوزن الخليلي هنا ليس مجرد إطار فني، بل هو انعكاس للثبات والانضباط الذي تتحدث عنه القصيدة. اللغة الشعرية تتنقل بين الفصاحة والوضوح، دون تكلف أو غموض، لتصل إلى المتلقي بسلاسة المؤمن بقضيته.
التي تراعي نقد الآخر وتعرية الأقنعة
بتحضر إنساني وثقافي لا يخفى على القارئ ، يتجلى في مقاطع لافتة، فيوجه الشاعر خطابه لأولئك الذين يحيكون المؤامرات وينسجون أكاذيبهم في الظلام :
“كَفَى التزييف في نَفَقِ النَّوايا … أَيَا صَوْتاً يَعربدُ في التَّجَنِّي”
لقد استعار الشاعر صورة “النفق” ليعبر عن ظلامية هؤلاء وخبث نياتهم، فهم لا يعملون في العلن، بل في أنفاق التزييف المظلمة. ثم يصف أصواتهم بالـفعل “يعربد”، أي أنها أصوات غير منضبطة ، مضطربة غوغائية، تفتقد إلى المنطق السليم. وهذه الصورة البصرية السمعية المركبة تخلق تأثيرا فنياً قويا يفضح هؤلاء ويكشف زيفهم .
ويستمر الشاعر في نقد هؤلاء واصفا إياهم بأوصاف تظهر ضعفهم وحقدهم:
“تَرَكْتُمْ نَهْشَ ذِئْبٍ فِي فَلَاهُ … وَنَفَّثْتُمْ سُمومَ الزورِ عَنّي”
الذئب المنهوش في فلاة صورة مأساوية توحي بأن هؤلاء مشغولون بأنفسهم وبمشاكلهم الداخلية، ومع ذلك يتطاولون على من هو أوطأ منهم مكانة وأسمى. إنها استراتيجية بلاغية تظهر أن من يهاجمون المملكة إنما يمارسون إسقاطاً نفسياً وفشلاً ذاتياً قبل أن يكونوا قادرين على نقد الآخر.
“أَلِفْنَا خُبْثَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ … وَأَفْرَاحاً تُقَامُ لِطُولِ حُزْنِي”
هذا البيت يكشف حقيقة نفسية عميقة؛ أن الحاقدين لا يفرحون إلا إذا أصاب العالم العربي حزن أو مكروه. إنه كشف لمرض نفسي جماعي يعاني منه هؤلاء، مما يجعل النقد هنا ليس مجرد هجوم عاطفي، بل تحليل نفسي واجتماعي لطبيعة الخصم .
الشاعر يستحضر المنجزات معبرا عن بناء الصورة الإيجابية فنجده
في مقابل صورة الحاقدين المظلمة، يرسم الشاعر صورة مشرقة للذات السعودية والعربية فيقول في النص:
“نَسِيتُمْ كَيْفَ كُنْتُ غَمَامَ جُودٍ … تَرُدُّ جَفَافَكُمْ فِي كُلِّ عَيْنِ”
استعارة “غمام الجود” تحيل إلى ديمومة العطاء السعودي وشموليته، فالغمام لا يمطر على جهة دون أخرى، بل يعم بنفعه الجميع. وهذه إشارة واضحة إلى الدور الإنساني والتنموي للمملكة على المستويين العربي والإسلامي والدولي.
“وَكَمْ شَيَّدْتُ مِنْ صَرْحٍ مَنِيعٍ … وَحَقَّقْتُ الأَمَانِي والتَّمَنِّي”
يتحدث الشاعر بضمير المتكلم عن الإنجازات الحضارية، مؤكداً أن ما تحقق ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج رؤية وإرادة وتخطيط. ويمكن هنا استحضار رؤية المملكة كشقيقتها مصر 2030 وما تحققانه من نهضة شاملة في جميع المجالات، والتي أصبحت نموذجا يحتذى في المنطقة .
“سَمَوْتُ عَنِ النِّزاعِ وَرُخْصِ قَصْدٍ … وَحَكَّمْتُ الضَّمِيرَ بِكُلِّ شَأْنِ”
هذا البيت يمثل قمة في التعبير عن الحكمة والسياسة الرشيدة، فالسمو عن النزاع ليس ضعفاً، بل قوة وحكمة، وتحكيم الضمير في كل شأن هو أساس السياسة الأخلاقية التي تنتهجها المملكة في علاقاتها الداخلية والخارجية.
الشاعر يقدم في محتواه النصي الثبات كقيمة مركزية في النص فنجد في القصيدة تكرارا امفردات الثبات والصمود والرسوخ لتشكل نسيجا معجميا متماسكا على النحو التالي:
“وَنَحْنُ لِدَارِنَا سُورٌ مَنِيعٌ … أَمَامَ الخاسئينَ أُولِي التَّجَنِّي”
الشاعر إذ يلمح إلى الكعبة المشرفة قبلة الملسمين يقدمها بشكل أو بآخر على هيئة صورة السور المنيع التي توحي بالحصانة والاكتفاء الذاتي في الدفاع عن الأرض والعرض . والخاسئون هم الذين يطلبون شيئاً ثم يطردون، وهذه إشارة إلى أن كل محاولات النيل من المملكة سترتد على أصحابها بالخذلان والخيبة.
“تَمُورُ النَّائِبَاتُ وَنَحْنُ طَوْدٌ … شَمُوخٌ فَوْقَ هَامَاتِ المُجِنِّ”
المقابلة هنا واضحة بين “مور النائبات” أي اضطرابها وتقلبها، وبين “الطود الشامخ”/ الثابت الراسخ. والصورة البصرية للطود الذي يفوق هامات المجن (المجانين أو المسيئين) تعطي إحساساً بالارتفاع المادي والمعنوي عن مستوى الصغائر والتفاهات.
“أَنَا التَّارِيخُ مَا هَزَّتْ رِيَاحٌ … ثَبَاتِي.. أَوْ مَحَتْ فَخْرِي وَكَوْنِي”
بهذا البيت الختامي تقريباً، يعود الشاعر إلى لازمة القصيدة ليؤكد أن الثبات ليس مجرد موقف سياسي، بل هو قدر تاريخي ووجودي. إنه تأكيد على أن ما بنته المملكة بالتعاون مع أشقائها في العالم العربي عبر تاريخها لا يمكن أن تمحوه رياح الحاقدين أو تهزه.
فوحدة المصير الخليجي والعربي صُلبة لا تلين ولا تنكسر..
في ختام القصيدة ، يوجه الشاعر رسالة واضحة إلى محاولات التفرقة والتفكيك فنجده يقول على وزن بحر الوافر:
“خَلِيجُ العِزِّ وَاحِدَةٌ رُؤَاهُ … وَرَايَتُنَا بِنُورِ الحَقِّ تَبْنِي”
هذا البيت الشعري يكتسب أهمية خاصة في سياق الحديث عن الموقف المصري الداعم للخليج، فهو يؤكد أن دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة، تمثل كتلة واحدة في الرؤى والمواقف. كما أن الإشارة إلى “نور الحق” تعطي شرعية أخلاقية ودينية لهذه الوحدة، وتؤكد أن ما يبنى على الحق لا يمكن أن ينهار.
إننا نجد في التص حمولة من المرتكزات على السياق العربي والموقف المصري ؛ إذ لا يمكن قراءة هذه القصيدة بمعزل عن السياق العربي الراهن، خاصة الموقف المصري الرسمي والشعبي الرافض لأي عدوان على الأمة العربية والخليج العربي. فمصر التي يقف شعبها وقيادتها صفا واحدا مع أشقائهم في الخليج، تمثل نموذجا للوحدة العربية في مواجهة التحديات.
الشاعر هنا، وإن لم يذكر مصر بالاسم، إلا أن خطابه يأتي في سياق عربي يؤكد أن ما تواجهه المملكة هو قضية عربية بامتياز. فالرفض المصري الرسمي والشعبي لأي عدوان على الخليج يمثل امتداداً طبيعياً للعلاقات التاريخية والاستراتيجية بين مصر والمملكة العربية السعودية، والتي تجسدت في مواقف لا تحصى عبر التاريخ.
هذه القصيدة، إذاً، تكتسب بعداً إضافياً كونها تعبر عن هذا التضامن العربي – العربي، وتؤكد أن الشعر لا يزال قادراً على أن يكون جسراً للتواصل الوجداني بين الشعوب العربية، ومُعبراً عن قضاياها المصيرية.
القيمة الفنية والجمالية للقصيدة :
من الناحية الفنية، تقدم القصيدة نموذجاً للشعر العمودي الأصيل الذي يحافظ على موسيقاه الخليلية، مع تطويع اللغة لخدمة المضمون. وقد نجح الدكتور عبدالإله محمد جدع في أن يعبر نفير النص عن النقاط التالية:
أ. الانتقال السلس بين مستويات الخطاب: من الخطاب المباشر للحاقدين، إلى الحديث عن الذات، إلى التأمل الوجودي في معنى الثبات.
ب. بناء الصور الشعرية المركبة التي تجمع بين الحسي والمعنوي، مثل “نفق النوايا” و”غمام الجود” و”طود شامخ”.
ج. توظيف الإيقاع الداخلي والخارجي لتعزيز المعنى، فالوزن الخليلي الثقيل يعكس ثقل المعنى ورسوخه.
د . الاقتصاد في الصورة وعدم الإسراف فيها، مما يجعل كل صورة مركزة ومؤثرة.
إن قصيدة الدكتور جدع تثبت مرة أخرى أن الشعر العربي يظل ديوان العرب، كما قال القدماء، وأنه قادر على أن يكون ساحة للوعي الجمعي؛ حيث يجد الجميع أنفسهم في كلمات الشاعر، كما في قوله “نحن لدارنا سور منيع”.
وان يكون الشعر أداة لفضح المؤامرات ، وكشف زيف الخطابات المعادية، كما في قوله “كفى التزييف في نفق النوايا”.
النص يؤكد أن الشعر لم يزل وسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي، وتذكير الناس بوحدتهم ومصيرهم المشترك.
إذ يقدم من خلال محتواه وحسيس رسائله توثيقاً للتاريخ من منظور وجداني ، يجعل من الأحداث أكثر من مجرد وقائع جامدة.
الدكتور عبدالإله محمد جدع يقدم في هذه القصيدة نموذجاً للشاعر الملتزم بقضايا أمته، الذي لا ينعزل في برج عاجي، بل ينزل إلى ساحة المعركة الفكرية والوجدانية مسلحاً بأجمل و أعرق أسلحة العرب ؛ الشعر.
فجهده الإبداعي هنا يستحق الثناء والتقدير، لأنه استطاع أن يحول الموقف السياسي إلى تجربة شعرية، وأن يجعل من الدفاع عن الوطن عملاً فنياً راقياً، لا مجرد خطابية جوفاء. لقد أعاد للشعر هيبته كخطاب موازٍ للخطاب الرسمي، بل متكامل معه، يعبر عما في الوجدان قبل ما في البيانات.
هذا هو الشعر العربي في صورة من أبهى صوره ؛ حين يكون تاريخاً ناطقاً، وضميراً حياً، وسوراً منيعاً، وطوداً شامخاً في وجه رياح التزييف والتجنّي.
“أَنَا التَّارِيخُ مَا هَزَّتْ رِيَاحٌ … ثَبَاتِي.. أَوْ مَحَتْ فَخْرِي وَكَوْنِي”
صدقت والله يا دكتور عبدالإله، من فالتاريخ لا يهتز، والمملكة العربية السعودية باقية شامخة بإذن الله، وأهلها وأشقاؤها في مصر وكل بلد عربي شقيق على العهد والميثاق، رايتهم بنور الحق تبنى.


