كُتاب الرأي

• “في زمن الحرب قد يعلو الضجيج وتغيّب الحقيقة

• “في زمن الحرب قد يعلو الضجيج وتغيّب الحقيقة

فاطمة سعد الغامدي

أمرٌ طبيعي أن تتسارع الأحداث،
لكن من غير الطبيعي أن يعلو صوتها إلى حدٍّ يطغى فيه الضجيج على الحقيقة. ففي كثير من الأحيان، لا يكون التحدي في وقوع الحدث ذاته، بل في الروايات التي تُبنى حوله، والتي قد تُضخَّم أو تُشوَّه وفقًا لاعتبارات لا علاقة لها بالواقع.

فعلى سبيل المثال، قد يقع حدث عسكري محدد، ويكون مساره واضحًا في نتائجه، كاعتراض تهديد أو احتوائه، لكن سرعان ما تتكاثر حوله روايات متناقضة، بعضها يذهب إلى تصويره على نحوٍ مغاير تمامًا لما حدث. هنا، لا نتعامل مع اختلاف في وجهات النظر بقدر ما نواجه حالة من تضارب السرديات، حيث تُستبدل الوقائع بالانطباعات.

المشكلة لا تكمن في تعدد الأصوات، بل في غياب المعايير التي تضبطها. فحين تتحول بعض المنصات إلى ساحات لإعادة إنتاج الشائعات، أو لترويج تصورات غير دقيقة، فإن ذلك يسهم في إضعاف الوعي العام، ويجعل المتلقي عرضة للتأثير دون تمحيص.

ومن اللافت أن هذا التشويش لا يأتي دائمًا من خصوم، بل قد يصدر أحيانًا من أطراف يُفترض أنها أقرب إلى الفهم أو أكثر إدراكًا للسياق. وهنا تتعقد المسألة، لأن الخلل لا يعود مجرد تضليل خارجي، بل يصبح جزءًا من خطاب داخلي يفتقر إلى الدقة أو التوازن.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الوعي الفردي، بوصفه خط الدفاع الأول في مواجهة هذا التداخل. فالمتلقي اليوم لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، بل شريك في تشكيلها، سواء عبر إعادة النشر أو التفاعل أو حتى التفسير.

كما أن استحضار التجارب التاريخية والتحولات التنموية، بما فيها ما شهدته المملكة العربية السعودية من تقدم في مختلف المجالات، يعزز من أهمية قراءة الواقع بعمق، بعيدًا عن الانطباعات السطحية أو الأحكام المسبقة.

إن ازدواجية المعايير، حين تُمارس، لا تُضعف المواقف فحسب، بل تُفقد الخطاب مصداقيته. وعندما تُستبدل القيم بثوابت مؤقتة تُفصَّل حسب الحاجة، فإن النتيجة تكون مزيدًا من الالتباس، لا مزيدًا من الفهم.

في النهاية، يبقى الوعي ضرورة لا ترفًا. وهو مسؤولية مشتركة، تتطلب قدرًا من التحقق، والتوازن، والقدرة على التمييز بين ما يُقال… وما هو كائن
الذكاء يكمن في محاولة البقاء خارج القطيع. وليس المطلوب منك أن تعرف كل شيء، بل أن تدرك ما تعرفه، وأن تعي أن ما تعرفه قد لا يكون كل الحقيقة. فالأخطر في الضوضاء أنها لا تمنعك من سماع الحقيقة فحسب، بل تجعلك تظن أنك قد سمعت كل شيء.

كاتبة رأي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى