كُتاب الرأي

غصّة البعير

غصّة البعير

فيصل الكثيري 

يُقال إنّ البعير إذا غصّ بشيء، لا يُظهر ألمه سريعا؛ يلوذ بالصمت ويمضي بخطاه الثقيلة على الرمل كأنه لا يشعر بشيء. يطأ الأرض بثبات مهيب، وعيناه كأنهما تنظران إلى البعيد، بينما في داخله اختناق لا يُرى. يظلّ على هدوئه حتى يُسقِط ما عجز عن ابتلاعه، ثم يعود إلى سيره كأن شيئا لم يكن. في هذا المشهد تكمن حكمة الإنسان؛ ذاك الذي كان يُخفي وجعه عن العيون، ويكظم غيظه حتى لا يُرى ضعيفا، ويبدو متماسكا في الوقت الذي يتفجر فيه صدره بما لا يُقال.
كثيرون اليوم يعيشون غصّة البعير في أعماق نفوسهم. يغصّ أحدهم بكلمة لم يُمهل نفسه ليقولها، أو بظلم أُسدل عليه الستار، أو بحلم لم يُكمل طريقه. يخرج من بيته إلى عمله مبتسما، يحيّي من حوله بلطف ظاهر، لكنه في داخله يلوك المرارة ببطء نبيل. ذلك النبل الذي يمنع الإنسان من الانفجار، لكنه لا يمنحه الشفاء. نبل يضع على الجرح غطاء الكبرياء، ويترك تحته وجعا لا يُرى.
الكرامة أحيانا تُشبه تلك الغصّة؛ تحفظ المظهر وتؤذي الجوهر. تمنعك من البوح حين يكون البوح شفاء، وتُلزمك الصمت حين يكون الكلام خلاصا. تترك فيك أثرا صامتا، كندبة لا يلحظها أحد، لكنها تؤلمك كلما تنفست. ولهذا يخطئ من يظن أن الصبر دواء بلا ألم، أو أن الحِلم راحة. فالصبر يُنقذك من السقوط أمام الناس، لكنه لا يُنقذك من السقوط في داخلك. والحِلم يُبقيك عاقلا أمام الآخرين، لكنه يتركك تائها مع نفسك في عتمة لا صوت فيها.
لقد غدت الغصّات في زمننا تُقاس باللباقة؛ كلما زاد تهذيبك، زاد اختناقك. تُؤثر السكوت حتى لا تُؤذي أحدا، فتؤذي نفسك. تلوذ بالعقل حتى لا تُتّهم بالعاطفة، فتخسر جزءا من إنسانيتك. تبتلع المواقف بصمتٍ متكرر حتى يبهت طعمك الداخلي، فلا تدري أتبكي من الوجع أم من طول التجلّد.
وما بين الغصّة والكبرياء، يعيش الإنسان معلّقا؛ يريد أن يتكلم ولا يريد أن ينهار، يريد أن يُعاتب ولا يريد أن يُهان. يضع يده على عنقه كل مساء، كمن يختبر نبض الكتمان في داخله، ويسأل نفسه في صمت: هل أنا قويٌّ أم مريض بالصبر؟
ولعلّ أجمل ما في غصّة البعير أنها لا تدوم؛ فكما يلفظ البعير ما عجز عن ابتلاعه، يلفظ الإنسان وجعه حين يكتب، أو يبكي، أو يصمت طويلا حتى تزول الغيمة عن صدره. فالقوة ليست في ألا تغصّ، ولكن في أن تبتلع الحياة كلّها، وتبقى رغم مرارتها واقفا على قدميك، مرفوع الرأس، كالبعير الذي واصل المسير بعد أن لفظ ما كان يؤذيه.

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى