كُتاب الرأي

عندما يصنع الحب إنسانا

عندما يصنع الحب إنسانا
——————-

ليست التربية كلمات تُقال، ولا تعليمات تُلقى في الهواء ثم تختفي، بل هي أثرٌ هادئ يتسلل إلى روح الطفل كما يتسلل الضوء إلى نافذةٍ مفتوحة في الصباح. فالطفل لا يتذكر كل ما قيل له، لكنه يتذكر جيدًا كيف شعر وهو يكبر بين يدي والديه.
في البيوت تتشكل الملامح الأولى للإنسان. هناك، في تفاصيل الأيام الصغيرة، يتعلم الطفل معنى الأمان حين يُحتضن، ومعنى الخطأ حين يُوجَّه، ومعنى الثقة حين يُسمَح له أن يحاول مرةً بعد أخرى. التربية ليست مشروعًا سريع النتائج، بل هي رحلة طويلة من الصبر والوعي، يخطئ فيها الآباء أحيانًا ويصيبون كثيرًا حين يقودهم الحب.
كثير من الآباء يظنون أن التربية تعني السيطرة، وأن الطفل يجب أن يُشكَّل كما تُشكَّل الأشياء الصامتة. لكن الحقيقة أن الطفل كائن حيٌّ بالأسئلة والفضول، ينمو بالحوار أكثر مما ينمو بالأوامر، ويزدهر بالثقة أكثر مما يخضع بالخوف. فالكلمة القاسية قد تسكن قلبه طويلًا، بينما الكلمة الطيبة قد تبني فيه إنسانًا واثقًا لا ينهزم بسهولة.
التربية في جوهرها ليست تعليم الطفل كيف يطيع فحسب، بل كيف يفكر ؟ وكيف يختار ؟ وكيف يتحمل مسؤولية اختياره ؟ وهي قبل ذلك كله قدوة تُعاش، لأن الأبناء لا يقتدون بما يسمعون بقدر ما يقتدون بما يرون. فحين يرى الطفل الصدق في والديه ، يتعلم الصدق دون درس ، وحين يرى الرحمة في تعاملهم، يكبر وفي قلبه مساحة للآخرين . ولله در الشاعر القائل :
يَنْشَا الصغيرُ على ما كانَ والدُهُ .
إنّ العُرُوقَ عليها يَنْبُتُ الشجرُ .
ولعل أعظم ما يقدمه الوالدان لأبنائهم ليس المال ولا التعليم، بل الشعور عميق بأنهم محبوبون كما هم، وأن أخطاءهم ليست نهاية الطريق بل بداية التعلم فذلك الشعور هو الذي يمنح الطفل شجاعة الحياة، ويجعله يمضي في العالم وهو يعلم أن له مكانًا آمنًا يعود إليه.
إن التربية الوالدية ليست مهمة عابرة في حياة الإنسان، بل مسؤولية تصنع مستقبلًا كاملًا. فكل كلمة طيبة، وكل لحظة صبر، وكل حوار صادق، قد يكون بذرة تُزرع اليوم لتثمر غدًا إنسانًا ناضجًا يحمل في قلبه ما تعلمه أول مرة بين جدران بيته.
وهكذا تبقى البيوت، رغم بساطتها، أول مدرسة للحياة. أنها مواطن الجمال . وهنا يحضرني بيت من الشعر
لَيسَ الجَمالُ بِأَثوابٍ تُزَيِّنُنا
إِنَّ الجَمالَ جَمالُ العَقلِ وَالأَدَبِ
في بيوتنا يتعلم الإنسان معنى الحب، ومنها يبدأ الطريق نحو العالم.

سعود شباب العتيبي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى