ظلّ لا يشبهني

ظلّ لا يشبهني
لم أكن أكره الظل، لكنني كنت أكرهه حين صار يسبقني.
في كل صباح، أقف في ساحة المدرسة تحت شمس حادة، فأراه ممدودًا أمامي على أرض الإسفلت، أطول مني، أجرأ مني، وكأنه يعرف طريقه أكثر مما أعرف أنا طريقي. كان شعورًا غريبًا؛ الجميع يرون حضوري، لكنني كنت أشعر أنهم يرون ظلي فقط.
اسمي سارة.
غير أن اسمي في المدرسة كان مختلفًا؛ كانوا ينادونني: “أختها”. أخت الطالبة المتفوقة، أخت التي تحفظ القصائد، أخت التي تفوز في كل مسابقة ثقافية. لم يكن أحد يقصد التقليل مني، لكن المقارنة كانت تسير قبلي أينما ذهبت.
في المنزل، تتجاور الشهادات على الجدار، وتلمع الكؤوس تحت ضوء المصباح الأصفر. كانت أمي تبتسم بفخر، وأبي يلتقط الصور، وأختي تقف بثقة اعتادت عليها. أما أنا، فكنت أصفق بحرارة، وأقول في داخلي: “سأكون مثلها يومًا ما”، دون أن أعرف ماذا يعني أن أكون أنا.
في أحد الأيام، دخلت معلمتنا حصة اللغة العربية وأعلنت عن مسابقة المهارات الثقافية في مجال القصة القصيرة. كتبت على السبورة بخط واضح:
“اكتب لتعرّف بنفسك”.
توقفت عند الجملة طويلًا. شعرت أنها موجهة لي وحدي.
همست لي صديقتي هدى:
– هذه فرصتك يا سارة.
ابتسمت ابتسامة مترددة، لأنني لم أكن أعرف من أكون أصلًا.
في تلك الليلة، جلست إلى مكتبي الصغير قرب النافذة. كان الوقت متأخرًا، والهدوء يملأ الغرفة. فتحت دفتري الأبيض، وبدا كأنه صفحة تنتظر اعترافًا صادقًا. كتبت سطرًا، ثم مزقته. حاولت مرة أخرى، فتوقفت الكلمات عند أطراف أصابعي. ماذا أكتب؟ عن التفوق؟ ليس لي. عن الجرأة؟ لا أشعر بها. عن الحلم؟ لا أراه واضحًا.
مرّت أيام وأنا أؤجل الكتابة. كنت أخاف الفشل، وأخاف أكثر أن أكتب شيئًا يشبه ما تكتبه أختي. أردت أن أكون مختلفة، لكنني لم أعرف كيف.
في مساء هادئ، انقطعت الكهرباء فجأة، وغرقت الغرفة في ظلام دامس. فتحت النافذة، فتسلل ضوء القمر إلى الداخل، ورأيت ظلي منعكسًا على الجدار. كان قريبًا مني هذه المرة، لا يسبقني ولا يبتعد. تأملته طويلًا، وشعرت أنني أهرب من نفسي.
في تلك اللحظة، أدركت حقيقة بسيطة:
الظل لا يسبق صاحبه إلا إذا كان الضوء خلفه، وإذا توقف الإنسان، توقف ظله معه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأمسكت القلم.
بدأت أكتب عن فتاة تعيش في ظل المقارنة، عن جدار مليء بالشهادات، عن تصفيق لا يصل إلى القلب، وعن رغبة صادقة في أن تُرى كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون. لم أكتب قصة بطلة خارقة، بل كتبت عن خوف حقيقي، وصراع داخلي صامت، ورغبة في التحرر من صورة جاهزة.
كل جملة كنت أكتبها كانت تكشفني أكثر. شعرت أن الكلمات لم تعد تخيفني، بل تحررني. انتهيت من القصة قبيل الفجر، وأغلقت الدفتر بشعور لم أعرفه من قبل؛ شعور الرضا.
في يوم تسليم الأعمال، كانت السماء صافية والهواء دافئًا. سلّمت قصتي إلى المعلمة دون تردد. لم أعد أفكر في النتيجة، بل كنت فخورة لأنني كتبت شيئًا صادقًا.
بعد أسابيع، اجتمعت المدرسة في طابور الصباح لإعلان النتائج. كان قلبي يخفق بسرعة، لكنني حاولت التظاهر بالهدوء. أعلنت المديرة المراكز تباعًا، حتى وصلت إلى المركز الأول:
– الفائزة بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة… الطالبة سارة خالد.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم بدأ التصفيق. شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي، وصعدت إلى المنصة بخطوات مترددة. عندما استلمت الشهادة، نظرت إلى الساحة. كانت الشمس خلفي، وحين نظرت إلى الأرض، رأيت ظلي يمتد… لكنه هذه المرة كان خلفي.
بعد الحفل، اقتربت أختي مني واحتضنتني قائلة:
– لديكِ صوت مختلف يا سارة، فقط كنتِ بحاجة أن تثقي به.
في تلك اللحظة، لم أعد “أختها”. أصبحت سارة التي كتبت قصتها، سارة التي واجهت خوفها، سارة التي أدركت أن لكل إنسان ضوءه الخاص.
عدت إلى المنزل، وعلّقت شهادتي بجانب شهاداتها. لم أشعر بالمقارنة هذه المرة، بل شعرت بالاكتمال. كان الجدار يحمل اسمين، لكل واحد منهما طريقه، ولكل طريق ظله.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أخاف أن يسبقني ظلي.
بقلم ✍🏻 راحيل الرويلي