كُتاب الرأي

صلة الرحم بين الهوى والواجب

صلة الرحم بين الهوى والواجب

حصة محمد الجهني 

هناك من يختزل صلة الرحم في وجوهٍ بعينها، فيجعلها دائرة ضيقة لا تتسع إلا لمن ألف حضورهم، أو ارتاح لقربهم، أو وافقوا هواه ومزاجه. فيزور من يود، ويغيب عمن شاء، ثم يمضي في الحياة مطمئنًا إلى أنه قد أدى ما عليه، متكئًا على وهم الصلة، غافلًا عن روحها، ومتجاهلًا اتساع معناها.

صلة الرحم ليست مجاملة موسمية، ولا واجبًا انتقائيًا نؤديه حين نرغب ونتجاوزه حين نضيق. إنها خلق عظيم، ميزانه لا يقوم على الراحة الشخصية، ولا تحكمه عاطفة آنية، بل يقوم على الوفاء، وعلى إدراك عميق بأن الروابط التي تجمعنا بأرحامنا ليست خيارًا نأخذه أو نتركه، بل مسؤولية تتطلب سعة صدر، وصبرًا، وسموًّا في التعامل.

من يقتصر صلته على أقارب بعينهم، كأنما يزرع شجرة في نصف أرض، ويتعجب لماذا لا تكتمل ظلالها. فهو يمنح الود لفئة، ويحجبه عن أخرى، ربما لا لسببٍ عظيم، بل لاختلاف بسيط، أو موقف عابر، أو حتى مجرد عدم انسجام. ومع مرور الزمن، تتحول هذه الانتقائية إلى قطيعة مقنّعة، يُلبسها صاحبها ثوب الصلة، بينما حقيقتها جفاء.

والأشد غرابة، أن بعضهم يعلن وصله، ويعدد زياراته، ويستعرض تواصله، لكنه في الحقيقة لا يصل إلا من وصله، ولا يذكر إلا من ذكره، وكأن صلة الرحم عنده معاملة متبادلة، لا مبدأ راسخ. فإذا انقطعت عنه مبادرة، انقطع، وإذا تأخر عنه اتصال، تأخر، فيغدو أسيرًا لردود الأفعال، لا صاحب مبادرة تُنير طريق القربى.

إن الصلة الحقيقية تُقاس حين نصل من قطعنا، ونحسن لمن أساء، ونسأل عمّن غاب، ونطرق أبوابًا لم تُفتح لنا من قبل. هناك، فقط، يتجلى المعنى الأصيل لصلة الرحم، حين تتجاوز النفس ضيقها، وتعلو على جراحها، وتختار أن تكون جسرًا لا جدارًا.

ولعل من أعظم ما يفسد هذه الصلة، أن يُغلف الإنسان تقصيره بمبررات جاهزة؛ فيقول: “هم لا يسألون”، أو “لا أشعر بالراحة معهم”، أو “يكفيني من أزورهم”. وهي عبارات تُسكّن الضمير مؤقتًا، لكنها لا تغيّر الحقيقة: أن الصلة لا تُبنى على ما نشعر به فقط، بل على ما ينبغي أن نكون عليه.

إن للأرحام حقًا لا يسقط بالاختلاف، ولا يُلغى بالمسافة، ولا يُختصر في دائرة ضيقة نرسمها نحن. فكم من قريبٍ ينتظر كلمة، أو زيارة، أو حتى رسالة، تُعيد إليه شعور الانتماء، وتُطفئ في قلبه غربة القطيعة. وكم من قلوبٍ تصدعت بصمت، لأن أحدهم قرر أن الصلة لا تعنيه إلا بقدر ما تناسبه.

ولأن الحياة قصيرة، والفرص لا تتكرر، فإن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان أثرًا بعده، ليس كثرة إنجازاته، بل اتساع قلبه. أن يكون ممن يصلون دون حساب، ويعطون دون انتظار، ويحتفظون بخيط الود ولو من طرف واحد، إيمانًا بأن الخير لا يضيع، وأن ما يُبذل في صلة الرحم يعود على صاحبه سكينةً ورضًا، قبل أن يكون واجبًا يؤديه.

فلا تجعل صلتك انتقاءً، ولا رحمك درجاتٍ تُصعد إليها من تشاء وتُقصي من تشاء. اجعلها بابًا مفتوحًا، يسع الجميع، حتى أولئك الذين ضاقت بهم نفسك يومًا. فربما كان في وصلهم نجاة لقلبك، وبركة لعمرك، وأثرًا طيبًا يبقى بعدك طويلًا.
اللهم اغفر لنا تقصيرنا في صلة أرحامنا، وتجاوز عن زللنا، واجبر كسر قلوبٍ قصّرنا في حقها، واغسل عنا جفاءنا بنور رحمتك.
اللهم ألّف بين قلوبنا، واصلح ذات بيننا، واجعلنا من الواصلين الذين لا يقطعون، ومن المحسنين الذين لا ينتظرون.
اللهم ارزقنا صدق النية، وسعة الصدر، ولين الكلمة، وحسن المبادرة، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين هم منّا ولنا.
اللهم اجعل صلتنا خالصة لوجهك، وبارك لنا في أهلنا وأرحامنا، وأدم بيننا المودة والرحمة ما حيينا.

كاتبة رأي

حصة محمد الجهني

كاتبة رأي وقاصة وشاعرة ومشرفة أقلام ناشئة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى