سِرُّ التسامح في اختلاف الشعوب
سِرُّ التسامح في اختلاف الشعوب
يُعَدُّ التسامح إحدى الفضائل الرفيعة التي تُشيّد بها الأمم بنيانها الأخلاقي، وتستمدّ منها الشعوب روحَها الجامعة. فمع تعدّد الألسنة، وتباين الأعراق، وتنوّع العادات، يبقى الإنسان في جوهره كائنًا يتوق إلى الوئام. ومن هنا يتجلّى جمال الاختلاف، إذ يغدو فسيفساءَ تتجاور فيها الألوان دونما تنافر، بل في تناغمٍ يستولد البهاء.
إنّ التسامح ليس خُلقًا عابرًا أو شعارًا مُنمّقًا، بل هو سجيةٌ راسخة تتطلّب سعة صدر وعلوّ هِمّة. فالشعوب التي تُجيد تقدير الآخر، وتُحسن الإصغاء إلى نبراته الحضارية، تمتلك قدرةً فريدة على إحياء السكينة بين الأمم، وصون نسيج العالم من التمزّق. إنّها تدرك أنّ الاختلاف ليس مدعاةً للخصومة، بل منبعًا للخصب المعرفي ومَعينًا للإبداع الإنساني.
وحين تُحسن الشعوب مزاوجة الأصالة بالانفتاح، فإنها تنحت وجودًا عالميًّا رحيبًا، يُشبه البستان الذي تتعانق فيه الأشجار على اختلاف ثمارها. فكما لا تُزهر الأغصان بذات اللون أو العطر، كذلك لا تُزهر الثقافات بالطابع الواحد. غير أنّها جميعًا تُهدي العالم ظلالها، متى تحلّى أهلُها ببصيرة التسامح ونقاء السريرة.
وليس أشرف من أن يُقابِل الإنسانُ الغِلظة بالرفق، وأن يواجه التباين بالحكمة، وأن يشيع في محيطه روح المسالمة والتآخي. فبذلك فقط ينتصر على ضيق الأحكام، وعلى نزعات الإقصاء التي تُطفئ إشراقة الروح. إنّ التسامح هو المِرقاة التي يرتقي بها البشر نحو عالمٍ تتقاصر فيه النزاعات، ويتسع فيه فضاء التحاور والتلاقي.
وفي زمنٍ تتشابك فيه الحضارات وتتداخل المسافات، يغدو التسامح ضرورةً لا ترفًا. فهو فنّ العيش المشترك، ومرآة لرشد الشعوب وبلوغها مرتبة النضج الإنساني. وحين تتعانق الثقافات تحت مظلته، تُولد حضارةٌ جامعة، لا تنفي أحدًا ولا تهمّش صوتًا، بل تُنصت للجميع بإنصاف.
وهكذا يبقى التسامح جسرًا ممتدًا بين الشعوب، يُشيَّد بالأفئدة النقية، ويُضاء بحكمة العقول. فهو السبيل الأمثل لصون كرامة الإنسان، وتشييد عالمٍ تتقاسم فيه الأمم الخيرات، دون أن تغيب عن أحدٍ هويته أو يُطمس له أثر.
بقلم ✍🏻 سندس المسرحي