سقوط الحضارات… حين ينهزمُ الفكر قبل الحجر
سقوط الحضارات… حين ينهزمُ الفكر قبل الحجر
سويعد محمد موسى الصبحي
لم يُسجِّل لنا التاريخُ أنَّ حضارةً سقطت بسيوفِ أعدائها بقدر ما سقطت بسقوطِ أفكارِ أبنائها
فكم من أُمم صمدت أمام العدوِّ حين كانت العقولُ حاضرة
وكم من أُمم انهارت بلا عدوٍّ حين غابت البصيرةُ وانكسرت البصائر.
فالعقلُ إن صلح أضاء وإن فسد أطفأ وإن وعى بنى وإن غوى محا.
فإذا فسدَ الفكرُ اختلَّ الميزانُ وتبدَّد الأمان
وإذا غابَ الوعيُ حضرتِ الفوضى وتقدَّمتِ الفتنة فصار العدوُّ خارجَ الحدودِ ضيفًا والعدوُّ داخلَ العقولِ سيفًا.
وهنا يتجلّى الطِّباقُ بين بناءٍ وهدم ونورٍ وظُلم ووحدةٍ وفرقة فالحضاراتُ لا تُهدَم من أطرافها بل من أعماقها
ولا تُغزَى من خارجها بل تُؤتَى من داخلها.
ولقد رأى العالمُ في أحداثِ ما سُمِّي بالربيع العربي كيف تحوَّلت آمالُ بعض الشعوبِ إلى آلام وكيف انقلبت أحلامُ الإصلاحِ إلى ركام.
فما كان الداءُ في الشعاراتِ المرفوعة بل في العقولِ المخلوعة عقولٌ انخدعت ببريقِ القول ونسيت عميقَ الفعل فاختلطَ الحقُّ بالباطل وارتفعَ الصخبُ وسقطَ المنهج.
فكان الجناسُ بين ( إصلاحٍ) يُنادى به و( إفسادٍ) يُمارس وبين (حريةٍ) تُطلب و( فوضى) تُفرض.
ففي بعضِ البلدانِ حين انقسمت الصفوفُ وتنازعتِ النفوس صار القريبُ غريباً والأخُ خصيماً فتبدّلتِ الأوطانُ من عمرانٍ إلى خسران ومن أمنٍ إلى أَلَم.
هناك لم تُهزم الأرضُ بل هُزمتِ الفكرة ولم تُسلبِ الثرواتُ بل سُلبتِ الثوابت فكان السقوطُ نتيجةَ فسادِ العقل قبلَ فسادِ الواقع ونتيجةَ ضياعِ البوصلة قبلَ ضياعِ الطريق.
وعلى الضفةِ الأخرى برزت دولُ دول الخليج العربي مثالاً مغايراً حيث اجتمعَ الشعبُ والقيادة والتفَّتِ القلوبُ قبل الأيدي فكان الاتحادُ درعاً والولاءُ سِتراً والحكمةُ قِواماً
فبالطاعةِ الواعية لا الطاعةِ العمياء وبالنقدِ البنّاء لا الهدمِ العشوائي حُفظت الأوطانُ من الانزلاق وصينت المجتمعاتُ من الاحتراق.
فهنا يظهر الطباقُ جلياً : التفافٌ لا التفاف واستقرارٌ لا اضطراب وبناءٌ لا فناء.
ويبرز الجناسُ في (وِحدةٍ) تُنقذ و(وَحدةٍ) تُفقد فالأولى اجتماعٌ على الحق والثانية انفرادٌ عن الصواب.
لقد أدركت تلك الدول أنَّ قوةَ الأوطانِ ليست في وفرةِ الموارد فحسب بل في وفاءِ العهود ووحدةِ الصفوف وسلامةِ العقول.
إن الحضارةَ التي تُحسن قراءةَ ذاتها وتُجدِّد أدواتها وتحفظ ثوابتها لا تخشى العواصفَ وإن اشتدّت
أما التي تنبهرُ بغيرها حتى تنسى نفسها فإنها تُسلِّم مفاتيحَها لغيرها.
فليس الخطرُ أن نتأثر بل أن نذوب وليس العيبُ أن نتعلّم بل أن نتلاشى.
وخلاصةُ القول: الحضاراتُ تُبنى بالعقلِ إذا صلح وتُهدم بالعقلِ إذا انحرف
فإن اجتمعَ الوعيُ والوحدة قامت الأوطانُ وثبتت وإن اجتمعَ الجهلُ والفرقة سقطت الحضاراتُ وانطفأت.
فاحفظوا العقولَ تحفظْكم الأوطان ووحِّدوا الصفوفَ تُحفظْ لكم الصفحات.
كاتب رأي

