ذاكرة لا تشيخ
ذاكرة لا تشيخ
عندما كنتُ في الصف الثالث المتوسط، في أحد أيام فبراير الباردة، والريح تعبث بالنوافذ، كنتُ في المدرسة ألهو وأضحك مع صديقاتي في الصف، حين دخلت إحدى المعلمات وأخبرتني بأن لديّ إذنًا بالخروج من المدرسة.
تساءلت في نفسي عن السبب، لكنني لم أُعِر الأمر كثيرًا من الاهتمام. جمعت أغراضي وخرجت، وعندما وصلت، أخبرني أبي – عبر هاتف أخي – أن جدي متعب قليلًا. راودني حينها شعور غريب، لكنني اخترت تهميشه، وانشغلت بالحديث مع إخوتي حتى اتصل أخي بأمي.
لم يكن صوت أمي كعادته… كان مكسورًا، مرتجفًا، مملوءًا بالحزن. عندها أدركت أن أمرًا جللًا قد حدث. أخبرتنا بأننا فقدنا جدي. توقّفت السيارة عن الحركة، تجمّدت الكلمات في فمي، وشعرت وكأن الهواء اختفى من المكان. نظرت من نافذة السيارة، فبدت الأشياء باهتة… كيف؟ هل حقًّا رحل؟ متى؟ لم أُدرك حقيقة الموقف، لا لأنني لا أعلم كيف، بل لأنني لا أريد… لا أريد تصديق ذلك.
كيف لرجل مثل جدي أن يرحل ويتركنا جميعًا؟
كان جدي ينتظر تخرّجي بشغف، مشجّعًا وداعمًا لي في حفظ القرآن. كان كلما رآني ناداني مبتسمًا: “بنت التحفيظ… حافظة القرآن”.
فهل يُعقل أن يرحل قبل أن أُخبره بأنني أنهيتُ حفظ كتاب الله؟ كيف يمكنني أن أحتفل بتخرّجي من دونه؟ لم أستطع تقبّل الفكرة.
لا يمكنني نسيان برودة جبين جدي عندما قبّلته، وكيف كان الجميع حولي يراقب ردّة فعلي، بينما أنا جامدة، لم أحرّك ساكنًا. كانت دموعي تتساقط على جبينه البارد، وأنا أهمس له آخر كلماتي على أمل أن يسمعها.
لم أُدرك حتى تلك اللحظة أنني فقدته حقًّا، والأشدُّ ألمًا أنني ذهبت لأول مرة لأحضر عزاءً… وللأسف كان عزاء جدي العزيز.
رأيت وجوهًا منهارة، وعيونًا تائهة تبحث عن عزاء، لكن ما كسرني حقًا كانت دموع أمي، المرأة التي لم أرها تضعف من قبل. بكت كطفلة فقدت أمانها. عندها فقط أدركت أن الموت لا يُوجعنا بالغياب فحسب، بل بما يتركه من فراغٍ عميق في قلوب من نحبّ.
كثيرًا ما راودني السؤال: كيف يمكنني تجاوز كل هذا؟ كيف ستكون حياتي بعد هذا الحزن الكبير؟ هل سأستطيع أن أعيش دون أن أذكر جدي؟
لكن ها أنا أكتب اليوم، بعد مرور عامٍ ونصف على رحيله، وقد تعلمت كيف أعيش دون أن أنساه.
تعلمت أن أذكره في لحظاتي السعيدة، وفي التفاصيل الصغيرة. تعلمت أن أجعله يعيش معي، لا بجسده، بل في قلبي ودعائي.
في ذلك اليوم شعرت أن جزءًا مني قد رحل معه. ومنذ ذلك الحين، لم يعد شهر فبراير شهرًا عاديًا، بل ذكرى دافئة في بدايتها، وباردة في نهايتها… شهرٌ يذكرني برجلٍ عظيم حارب السرطان، لكن السرطان تغلّب عليه وسلبه منا.
رحم الله جدي الغالي، وجعل مثواه الجنة.
✍🏻 بقلم: عالية تركي الشريف