ذاكرة المطر وحنين البيوت والقلوب

ذاكرة المطر وحنين البيوت والقلوب
ليست الخسارة أن نستبدل بيوت الطين والحجر بأبراجٍ من حديدٍ وإسمنت، فالجدران مهما اختلفت لا تصنع الحياة.
إنما الخسارة أن نفقد تلك الأرواح الطيبة البريئة التي كانت تملأ البيوت دفئًا، وتفيض على من حولها محبةً وصفاءً.
في ذاكرة المطر تختبئ حكايات الطفولة: حين كانت المزاريب تنشد بصوتها الرخيم كلما هطل الغيث، فتتسابق العيون إلى النوافذ لترى الماء ينساب كأنه أنغام المساء، وحين كانت أوراق الأشجار ترقص مع الريح، فيتساقط منها لحنٌ خفيٌّ يملأ القلب بهجةً واطمئنانًا.
كنا نجتمع حول المدفأة نتحلّق أسرةٌ واحدة، لا يفرّق بيننا بردٌ ولا عاصفة، كانت النوافذ تهتز مع هبوب الرياح، والمزاريب تصب ماءها كأنها قصيدة المطر، والأشجار تنشد أجمل الأغاني.
لم يكن في الحياة ترفٌ ولا زخرف، لكنها كانت عامرة بصدقٍ وألفة، وكان دفء القلوب يغني عن دفء الأغطية.
اليوم، ارتفعت المباني والجدران، لكن الأرواح انكمشت، صار لكل بيتٍ أسواره، ولكل نافذةٍ صمتها، وغابت أصوات المزاريب والحفيف والأغاني، وكأننا فقدنا نصف جمال العمر حين استبدلنا بساطة الأمس بوحشة الإسمنت.
إن المطر ما زال يهطل، والريح ما زالت تمرّ، والأشجار ما زالت تهمس… لكن الفرق أننا لم نعد نُصغي.
رحل الطيبون الذين كانوا يمنحون الأشياء معناها، فغابت الأغاني من حولنا، وبقي الصدى في القلب وحده يردّد:
أين تلك البيوت؟ وأين تلك القلوب؟
وهكذا، لم نعد نفتقد المطر ولا الأشجار ولا حتى البيوت، بل نفتقد ذواتنا حين كانت أنقى، وقلوبنا حين كانت أوسع، وحياتنا حين كانت أبسط وأجمل، وكأن ذاكرة المطر لا تزال تكتب على جدران الروح:
ما أجمل أن نعود يومًا… لا إلى البيوت، بل إلى القلوب التي سكناها.
د. دخيل الله عيضه الحارثي