كُتاب الرأي

خلك ذكي

خلك ذكي

سلطان عيد المرشدي

في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟

الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ، وبين هذين الطرفين، يقف الإنسان أمام معادلة دقيقة تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي أن يعرف متى يلين، ومتى يشتد فالمشكلة ليست في الطيبة ذاتها، بل في طيبةٍ بلا حدود ،كما أن الخلل لا يكمن في الحزم، بل في حزمٍ بلا حكمة ،فالحياة لا تُدار بردود فعل عاطفية منفردة، بل بفهمٍ عميق للمواقف، وقراءة واعية للناس، توازن بين القلب والعقل.

الإنسان المتزن لا يعيش بوجهين كما يُتهم أحيانًا، بل يمتلك مرونةً ذكية في التعامل هو لا ينافق، بل يُحسن التقدير ، يمنح الاحترام لمن يستحق، ويضع حدودًا واضحة لمن يتجاوز ، يبتسم حين تكون الابتسامة قوة، ويصمت حين يكون الصمت حكمة، ويتكلم حين يصبح السكوت ضعفًا ، وكم من حقوقٍ ضاعت لأن أصحابها اعتادوا الصمت تحت شعار الطيبة.

في المقابل، هناك من أرهقهم عطاؤهم المستمر لأنهم لم يتعلموا قول ” لا ” كما أن هناك من خسروا الجميع لأنهم ظنوا أن الشدة وحدها تصنع الهيبة فالأول استنزف نفسه حتى تلاشى، والثاني أحاط نفسه بجدارٍ من النفور حتى أصبح وحيدًا.

إن جوهر المشكلة لا يكمن في الناس بقدر ما يكمن في غياب الحدود. فحين لا يعرف الإنسان متى يتوقف، يصبح عرضةً للاستغلال، وحين لا يعرف متى يلين، يصبح ثقيل الحضور صعب القبول. وفي الحالتين، يدفع الثمن من راحته النفسية وعلاقاته.

ومن منظورٍ أعمق، يقدم لنا الدين الإسلامي ميزانًا دقيقًا لهذا الاتزان ، حيث يجمع بين اللين والقوة، في قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك﴾ وفي قول النبي ﷺ: المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف . فالقوة هنا لا تعني القسوة، كما أن اللين لا يعني الضعف، بل كلاهما يُوظف في موضعه.

الخلاصة أن المطلوب ليس أن يتغير الإنسان، بل أن يتزن ، أن يكون طيبًا دون أن يُكسر، قويًا دون أن يَظلم، واضحًا دون أن يَجرح. وأن يدرك أن لكل مقام مقالًا، ولكل إنسانٍ أسلوبًا، وأن الثبات الحقيقي لا يكون في المواقف المتقلبة، بل في المبادئ الراسخة.

ففي عالم لا يرحم السذاجة ولا يحب القسوة، تبقى الحكمة هي الخيار الأذكى .

كاتب رأي 

المستشار سلطان عيد المرشدي

صحفي ، مؤلف ، كاتب رأي ، عضو هيئة الصحفيين السعوديين ، عضو الجمعية السعودية للارشاد النفسي بجامعة الاميرة نورة ، مرخص من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ، حاصل على وثيقة العمل حر ككاتب من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ،كاتب بصحيفة آخر اخبار الارض ، كاتب بمنصة همسة وصل ، صدر لي كتاب آصِرة وكتاب غرفة ١٧ وكتاب خلف ابواب الفصول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى