كُتاب الرأي

خطوة مهمة مباركة.. في الاتجاه الصحيح

خطوة مهمة مباركة.. في الاتجاه الصحيح

اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود

أعلنت وزارة التعليم مؤخراً: (لن يتم تعيين أي معلم جديد أو معلمة جديدة، في المملكة، إلا بعد المرور بمعهد تطويري لمدة عام واحد).

والحقيقة سمعنا لهذا الخبر أصداءً متباينة بين مؤيد وبين معارض. ومن وجهة نظري الشخصية المتواضعة، لأنني تشرَّفت سابقاً بالعمل في مجال التعليم أثناء عملي في قواتنا المسلحة الباسلة، أُؤيد الوزارة في ما ذهبت إليه. فأمر التعليم ليس مثله مثل سائر الوظائف الأخرى، إذ لا يكفي أن يحصل الشخص الذي يرغب الانضمام إلى مجال التعليم على شهادة البكالوريوس من هذه الكلية أو تلك، ليكون قادراً على تربية الأجيال وتعليمهم، خاصة عندما يتعلق الأمر برياض الأطفال والتعليم العام، حتى إن كان قد تخرج في كلية تربية.

فالتدريس فنٌ يتطلب تطويراً حقيقياً في القدرات، لأنه منظومة متكاملة بين القدرة العلمية المعرفية وبين المهارات التربوية. ويبدو أن المعارضين لقرار الوزارة، مع احترام وجهة نظرهم، يقدمون أهمية توظيف الخريج على جودة التعليم، ويرون أن التدريس هو مجرد شرح المنهج للطلاب؛ غير أن الأمر أكثر تعقيداً من هذا بكثير جداً، فليس كل خريج قادر على شرح المنهج كما ينبغي، حتى إن كان الأول على دفعته عند تخرجه، إذ لا بد من امتلاك قدرات معرفية أخرى مهمة، بل غاية في الأهمية، لا تقل شأناً عن التحصيل العلمي نفسه، ترغِّبالطلاب في التعليم، وتجعلهم يتلهفون لحضور الدروس، بل يستمتعون بها أي متعة، مما يحفزهم للإقبال على المطالعة والاستزادة من المعرفة خارج الصف الدراسي، بل تدفعهم للقراءة الحرة، التي توسع المدارك وتصقل المواهب.

ومن ثم ينتهز المعلم الحصيف هذا الاستعداد الذهني والنفسي ليشرح المادة ويغرس المعلومة بعيداً في الذاكرة البعيدة، فتبقى متشبثة بها هنالك، وفي الوقت نفسه، يرسِّخ مُثُل المجتمع وقيمه في نفس النشء؛ فمهنة التدريس منظومة متكاملة بين التربية والتعليم، غايتها المنشودة تحفيز الأجيال للتزود بالعلوم والمعارف التي تضبطها القيم والمبادئ والمثل العليا لتوظيف ذلك كله لخدمة المجتمع وتنمية الوطن ورفعته والذود عنه.

أما الذين يتحدثون عن جودة التعليم في سنغافورة وكوريا الجنوبية ونيوزيلندة وفنلندة وغيرها من الدول المتقدمة على مستوى العالم في مجال التعليم، فينسون أو يتناسون عدم وجود مراكز للأبحاث في بلادنا كما هو الحال في تلك الدول، تعمل ليل نهار لإعداد الأبحاث التي تساعد على تطوير التعليم وتعظِّم الناتج، فأصبح لديها الآن مخزون جيد من أبحاث متراكمة عبر عقود.

يضاف إلى هذا، أن الذين يعملون في مجال التعليم هنالك، هم نخب من صفوة المجتمع، عشقوا التعليم مهنة يحققون من خلاله ذاتهم، وليس مجرد وظيفة للكسب، كما يرى المعارضون لقرار التعليم هذا. ولهذا تجد الذين يعلمون في التعليم العام هنالك معهم شهادات الأستاذية (بروفيسورات) وليست حملةدرجة بكالوريوس كيفما اتفق.

وكلنا ندرك أنه ليس في وسع وزارة التعليم التي تجتهد اليوم مشكورة لتطوير مفهوم التعليم، تأسيس مثل تلك المراكز البحثية بين عشية وضحاها، لكي تزودها بالأفكار المطلوبة لمساعدتها في تطوير التعليم. ولهذا في رأيي المتواضع، أن تلك السنة التي اشترطتها الوزارة، تعد خطوة أولى مباركة في الطريق الصحيح، ريثما تطور الوزارة آلية متكاملة، تجعل تعليمنا يلحق بركاب تلك الدول المتقدمة، بل يحتل مركز الصدارة، وليس ذلك على توفيق الله وهمَّة الرجال ببعيد.

ففي سنغافورة مثلاً التي تربعت على المركز الأول من حيث جودة التعليم في العالم لسنين عدة، يوجد مركز أبحاث خاص لدراسة آلية عمل الذهن من الحضانة حتى نهاية مرحلة الأساس، ومن ثم يتم توجيه الطالب/الطالبة لدراسة العلم الذي يتقنه ويمكنه أن يبلي فيه بلاءً حسناً حسب استعداده الذهني، وفق نتائج أبحاثهم، فأين نحن من هذا؟!.

وعلى كل حال، مؤكد أن الوزارة لم تشترط تلك السنة اعتباطاً، إذ لا بد أن تكون رأت قصوراً بيِّناً في ناحية ما، ووضعت منهجاً محدداً لعلاج ما رأته من قصور. ولهذا كان حرياً بنا أن نشكرها على صراحتها ووضع يدها على مكان الألم، في خطوة أولى لمزيد من التجويد.

فكلنا اليوم يدرك، لا أقول كل المعلمين، لكن بعضاً منهم، وربما معظمهم، يعطون الطلاب ملخصاً موجزاً للمادة من صفحات معدودة في نهاية كل فصل دراسي، للتركيز عليه قبيل الاختبار؛ ومع هذا، أجد أن هؤلاء أفضل حالاً من أولئك الذين يعطون الطلاب أسئلة محددة، ثم يجلسون في اليوم التالي للاختبار، ليجدوا تلك الأسئلة كما هي، فيجيبون عنها، وينجحون بـ (تفوق).. هذا الأسلوب عطَّل قدرات الطلاب عن التفكير والبحث والتأمل والإبداع، فما الذي ننتظره من طالب/ طالبة يكمل تعليمه بهذه الطريقة؟!.

أقول لا بد أن الوزارة قد اتخذت تلك الخطوة الأولى الجادة الشجاعة التي أهنئها عليها، فإن تأتي متأخراً، خير من ألا تأتي أبداً، للخروج بالتعليم، لاسيَّما التعليم العام، من دائرة الحفظ والتلقين تلك التي تعطل العقول، إلى فضاء التفكير والبحث والتأمل الرَّحب، وطرح الأسئلة المهمة ومحاولة الإجابة عنها؛ إذ لا يكفي أن يتوصل الطالب/الطالبة إلى الإجابة الصحيحة، إذ لا بد أن يدرك: لما ذا هذه هي الإجابة الصحيحة، عن طريق البحث والتفكير والتأمل والمقارنة.

ولا بد من التذكير هنا بضرورة الاهتمام بالمناشط الثقافية، الرياضية، الأدبية، العلمية، المجتمعية وحتى الترفيهية، لأنها تعد رافداً مهماً في تعزيز قدرة الطلاب على التحصيل العلمي، بعيداً عن الرتابة التي تجلب الملل، وتجعل هم الطلاب الأول والأخير النجاح في الاختبار و (التفوق) بغض النظر عن الحصيلة العلمية. فقد ذهبت بعض تلك الدول المتقدمة التي يتحدث عنها المعارضون لقرار الوزارة هذا، وفق نتائج مراكز أبحاثهم، إلى أن التعليم في الفضاء المفتوح، أكثر جدوىً من التعليم داخل الصفوف المغلقة، مما يؤكد أهمية المناشط التي تشكل رافداً مهماً في التعليم، لأنها توفر حيِّزاً معتبراً من الفضاء المفتوح.

وعلى كل حال، إذ أثمِّن عالياً هذه الخطوة المباركة لوزارة التعليم، وأهنئها عليها، وأشد من أزرها، مع احترام آراء المخالفين، أتمنى أن تكون فاتحة خير لتأسيس مراكز بحثية حقيقية، تعمل بجد لتطوير التعليم في بلادنا، لاسيَّما أن الدولة رعاها الله، تخصص للتعليم كل عام قدراً معتبراً من ميزانيتها، يفوق كثيراً ما تخصصه تلك الدول المتقدمة التي يتحدثون عنها من ميزانية، كما أن أبناء تلك الدول وبناتها ليسوا أكثر ذكاءً من أبنائنا وبناتنا، بل العكس، ويبقى الفرق في التفكير بشكل مختلف، خارج الصندوق كما يقولون؛ لاستغلال هذا الدعم السخي الذي توفره الدولة، لتوظيف قدرات أبنائنا وبناتنا لتحقيق الحلم المنشود في تعظيم نتائج التعليم لرفد المجتمع بعباقرة وعلماء عظماء في كل المجالات، يعملون بفكر حقيقي، وهمة ونشاط لتنمية بلادهم وتطويرها.. فشكراً لوزارة التعليم، وننتظر المزيد الجديد المفيد.  

كاتب رأي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى