كُتاب الرأي

خذلان الأقصى جريمة لا تُنسى

خذلان الأقصى جريمة لا تُنسى

محمد الفريدي

المسجد الأقصى المبارك ليس مجرّد بناء حجري، ولا قطعةَ أرض تُدار بالمراسلات، بل هو جزءٌ منّا، ورمزُ أُمَّتنا وتاريخِها، وذاكرةُ الملايين من المسلمين، وعنوانُ حضارتِنا، وقبلتُنا الأولى، ومسرى حبيبِنا، ومنطلقُ الإسراء والمعراج. ومن يجرؤ على مسِّه أو العبثِ به، فإنما يعبثُ بجوهرِ وجودِنا ولبِّ هُويَّتِنا. فالأقصى ليس خيارا ندافع عنه أو نساومُ عليه، بل هو خطٌّ أحمر، تُرسَم عنده حدودُ كرامتِنا ووجودِنا، وتُختبَرُ به إرادتُنا.

واليوم، وفي ظل صمتنا الرسمي والشعبي، يواجه المسجد الأقصى أخطر مؤامرة في تاريخه: مؤامرة الإحلال الديني والثقافي، التي تستهدف محو هويته الإسلامية وتحويله إلى معبد يهودي خالص، وهي مؤامرة لفرض شروط المحتل، واستبدال رموز المكان، وطمس معالم حضارته، ليصبح شاهدا مزيفا على رواية دخيلة. وإن تركنا هذه المؤامرة تمضي دون ردع، فلن نورث أبناءنا إلا أطلالا صامتة، تفضح عجزنا عن حماية أقدس مقدساتنا.

الخطر لا يكمن في الاعتداء على حجارة الأقصى وساحاته فحسب، بل في محاولات طمس هويته، وتحويله من مسجد إسلامي إلى مساحة مشتركة تُدار بأجندة صهيونية متطرفة. وما يجري هو اغتصابٌ للتاريخ، وإلغاءٌ للحق، وخيانةٌ للضمير الإنساني قبل أن تكون خيانة للأمة. ومن يصمت اليوم على تدنيس الأقصى، سيجد غدًا أمة بلا قدس، وبلا هوية، وبلا مستقبل.

مشروع التهويد ليس جديدا، بل مخطط قديم يسعى لتحويل الأقصى إلى ما يسمونه “الهيكل المزعوم”، عبر طمس رموزه وتغيير معالمه ومحو هويته الإسلامية. إنه مشروع لاغتيال الذاكرة وسرقة التاريخ وإلغاء الهوية، حتى يُقدَّم للأجيال والعالم كأنه أسطورة يهودية لا قبلة أولى ولا مسرى ولا معراج.

ويزداد الجرح عمقا مع جمود الموقف العربي والإسلامي: صمتٌ رسمي يكتفي ببيانات باردة، وشعوب لا تتجاوز حدود الدعاء وانتظار الفرج، فيما الأرض تُسلب والحقيقة تُغتال. والأخطر من ذلك، أصوات تساوي بين حق المغتصب وحق صاحب الأرض، فتجرد الأقصى من شرعيته الإسلامية، ويُقدَّم للمحتل على طبق من الخيانة؛ خيانة التاريخ والهوية، والأمانة التي استُودعناها: أمانة الدفاع عن أولى القبلتين، ومسرى حبيبنا، ومعراجه إلى السماء.

بهذا التراخي، يصبح الأقصى على حافة الفقدان؛ فقدان لا يقتصر على حجارة أو ساحات، بل يمتد إلى فقدان الروح، وضياع الهوية، وانكسار الوعي. وإذا استمر الصمت والتقاعس، فلن يبقى للأجيال القادمة سوى ذكرى باهتة لمكان كان قلب الأمة وروحها، وأصبح مجرد أطلال لا أكثر.

فالتهويد ليس اعتداء على المكان فحسب، بل هو هجوم على وعي أُمَّتنا وتاريخها، ومحاولة لإعادة كتابة روايتها عبر الأقصى. وكل يوم صمت يمرّ، يمنح المحتل قوة ويضعفها. فالأقصى ليس نزاعا محليا ولا خلافا حدوديا، بل اختبار لوعينا وعزيمتنا؛ ومن يفرط فيه اليوم بالصمت والتخاذل، يفقد غدا جزءا من هويته ووجوده.

إنَّ الأمةَ اليوم مُطالَبةٌ باليقظة الفعلية، وبوعي جماعي لا يلين، وبعمل مستمر لا يتوقف في الدفاع عن مقدساتها، قبل أن تتحول الحجارة إلى صمت، والذكريات إلى وهم، ويغدو الأقصى في عيون الأجيال القادمة مجرد قصة بلا مصداقية: لا مسرى، ولا معراج، ولا قبلة أولى حقيقية.

التهويد ليس جريمة معمارية فحسب، بل هو حرب على الوعي والرمزية. فكل محاولة لطمس هوية الأقصى أو ترويج رواية مزيفة ليست إلا أداة بيد منظومة متطرفة، لا تشبع من التوسع، ولا ترضى بغير ابتلاع القدس وتهويدها. إنه مشروع لتصفية التاريخ، وإلغاء الهوية، واستهداف الروح قبل الحجر، حتى تغدو الأجيال القادمة عاجزة عن تصديق أن هذا المكان كان قبلة أولى ومسرى و معراجا، وأنه قلب الأمة ورمز حضارتها، الذي لا يُمحى، وفقدنا كرامتنا وهويتنا الإسلامية.

إن المسجد الأقصى ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو قلب أُمَّتنا وروحها، رمز حضارتنا وهويتنا، وذاكرة أجيالنا. وكل محاولة لتهويده، وكل صمت أمام المخطط الصهيوني المتطرف، لا تُعد مجرد إهدار للحق فحسب، بل بداية لفقدان أُمَّتنا جزءا من كيانها وهويتها الإسلامية. ومن يتخاذل اليوم عن الدفاع عنه، يشارك في محو تاريخنا وطمس مستقبل أجيالنا، وهويتنا.

الأقصى اليوم يحتاج إلى وعي جماعي وإرادة صلبة وفعل مستمر؛ فالاحتجاج بالكلمات أو الاكتفاء بالدعاء لا يكفي. فالواجب يقتضي منا يقظة دائمة، وحماية كل حجر من حجارته، وكل رمز من رموزه، وكل قصة من تاريخ أُمَّتنا التي يحاول الصهاينة تزويرها.

إن من يفقد الأقصى اليوم بفعل التراخي والتخاذل، سيجد غدا أجيالا عاجزة عن تصديق أن هذا المكان كان يوما قبلة أولى، ومسرى، و معراجا، وأنه كان قلب أُمَّتنا وروحها النابض. فالأقصى ليس ملكا للمحتل، ولا لرواياته المزيفة، بل لأُمَّتنا، وحمايته مسؤولية كل مسلم، وواجب كل قائد، وامتحان لكل ضمير حي.

الوعي والفعل هما خط الدفاع الأخير، فمن يغفل عنهما يترك المسجد الأقصى عرضة للتهويد، وطمس تاريخه، وإلغاء هويته الإسلامية. ومن يحميه بعقله وإيمانه، يحمي أُمَّتنا وحقنا وحضارتنا، ويثبت أن القدس ليست مجرد أرض، بل عهد وامتحان ووصية لا يجوز التفريط فيها.

المسجد الأقصى اليوم اختبار صارخ لوعي أُمَّتنا: هل نواجه مشروع التهويد، أم نظل نتفرج بصمت؟ هل نستمر في التلاوات الخاشعة والشعارات الرنانة، أم ندرك أن حمايته واجب حضاري وديني وسياسي لا يقبل التأجيل؟ كل لحظة صمت تمنح المحتل فرصة لإعادة رسم تاريخه وتغيير هويته، وتبعد الأجيال عن حقيقة هذا المكان المبارك، ليصبح مجرد قصة بلا قبلة أولى، ولا مسرى، ولا معراج، ولا قلب نابض لأُمَّتنا.

المسجد الأقصى ليس مجرد مكان للصلاة أو بناء أثري، بل هو قلب أُمَّتنا النابض، وروحها الحية، وشاهدها على تاريخها الممتد عبر القرون الماضية. ومن يظن أن التهويد يقتصر على تغيير الجدران أو استبدال الأحجار فهو مخطئ؛ فالتهويد الحقيقي هو استهداف وعينا، واستلاب رمزيته، وإلغاء هويته، وتحويله إلى مجرد مسرح لخيال متطرف يسعى لتزوير الحقائق وتغيير روايتنا التاريخية بأكملها.

ما يحدث اليوم مشروع ممنهج يهدف إلى إخراج أقصانا من سياقه الإسلامي، وفرض رواية دخيلة تجعل أجيالنا القادمة عاجزة عن تصديق أن هذا المكان كان قبلة أولى، ومسرى لحبيبنا، ومعراجه، وقلب أُمَّتنا النابض. وكل حجر يُمس، وكل رمز يُطمس، وكل حقيقة تُمحى، هي خطوة نحو قتل وعينا، وإعادة صياغة تاريخنا بما يخدم مصالح قوى الاحتلال والتهويد. ومن يتخاذل اليوم عن الدفاع عنه، يشارك في طمس هويتنا وتدمير حاضرنا ومستقبل أجيالنا.

الخطورة ليست فقط في الاحتلال المادي، بل في السيطرة على إدراكنا وفرض روايته المزيفة علينا، لتصبح الأحداث والأماكن والأسماء مجرد شعارات بلا معنى، وأُمَّتنا عاجزة عن التمييز بين الحق والباطل، وبين الرمز والمزيف. وما كان مسجدا مباركا، يتحول في أذهان أجيالنا القادمة إلى مجرد “معبد يهودي” بلا روح، بلا وعي، بلا تاريخ، ولا معنى.

هذا المخطط الخطير لا يُواجه بخشوعنا وبياناتنا الفارغة، أو بانحنائنا أمام الشعارات غير المجدية. المطلوب يقظة جماعية فعلية، ووعي شعبي مستمر، وعمل ثقافي وفكري وسياسي يحمي المكان والرمز والهوية. فالأقصى قضية أُمَّتنا بأسرها، وغيابه أو ضياعه يعني هزيمتنا وهدم ثقتنا بأُمَّتنا في قدرتها على حماية مقدساتها.

حماية الأقصى ليست خيارا زائدا، بل واجب مقدس يختبر شجاعتنا وإيماننا، وكل يوم نصمت فيه هو خيانة للقدس وتجاهل لدماء شهدائنا. فالأقصى ليس مجرد حجر أو سقف، بل قلب أُمَّتنا وروح هويتنا. إما أن نقف له بالوعي والصمود والعمل، أو نتركه فريسة للتهويد، فنخسر تاريخنا وأصالتنا ومستقبل أجيالنا. ولن يكون الصمت حلا، ولن تنقذنا المراقبة من بعيد. فلتكن كلماتنا قوية، ووعينا سلاحنا، وصمودنا عهدا لا ينكسر.

الخطر الحقيقي ليس الاحتلال العسكري فحسب، بل احتلال عقولنا وقلوبنا، وفرض رواية مزيفة علينا، ومحو ذاكرة أُمَّتنا، واختزال تاريخها في أساطير توراتية ملفقة. عندها، لن يكون الأقصى مهددا في وجوده فحسب، بل في حقيقته ومعناه، ويصبح مجرد اسم بلا روح، وحجر بلا قصة، ورمز بلا وعي، ما يجعل أجيالنا القادمة تعجز عن استعادة هويتها أو الدفاع عن مقدساتها.

الصراع على الأقصى ليس مجرد صراع على مكان، بل هو صراع على هوية أمة كاملة: حاضرها وماضيها ومستقبلها وحقها التاريخي. ومن يظن أن القضية تخص أهل القدس أو الفلسطينيين وحدهم، لا يدرك الحقيقة؛ فالأقصى مرآة لكرامة أُمَّتنا جميعا، وسقوطه يعني سقوطنا روحيا ومعنويا، ويتجاوز حدود المكان ليصل إلى قلب كل إنسان ينتمي لهذه الأمة.

المسجد الأقصى اختبارٌ لضمائرنا قبل أن يكون اختبارا لقوتنا؛ فحمايته تعني حماية روح أُمَّتنا، والتفريط فيه يعني انكساراً لا ينهض بعده وعيٌ، ولا تاريخ، ولا أمجاد، والتهويد ليس سيناريو بعيدا عن مناطقنا، بل واقع يتسارع أمام أعيننا، ومن يغفل عن ذلك يترك الأقصى لمصير محتوم بيد مؤامرة صهيونية عالمية تُنفَّذ تحت غطاء صمتنا وتقاعسنا.

الأقصى ليس ملكا لجيل دون سواه، بل هو أمانةٌ في أعناقنا جميعا، أمانة ثقيلة لا يقبل الله التفريط فيها. فإمّا أن نكون على قدر هذه الأمانة، ونرفع رايتها عاليا بوعينا وصمودنا، أو نكتب على أنفسنا، وعلى تاريخنا، الخيبةَ والعارَ الذي لا يُمحى، ويصبح ركامُ أقصانا شاهدا على تقاعسنا، بدل أن يكون شاهدا على عزِّنا الأبدي.

فلتكن كلمتنا صدى ليقظتنا، وأفعالنا حصنا للأقصى، فكل لحظة صمت هي خيانة، وكل تردد هو سقوط جديد، ولا مكان بيننا للمتخاذلين؛ فالأقصى سيظل حيّا في ضميرنا، أو سنعيش نحن موتى أمام عينيه.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫2 تعليقات

  1. لن يقف اليهود على سلب الأقصى، إنما سيمدهم بآمال أكثر للتوسع بمشروعهم الاستيطاني الأكبر .!
    الكل يترقب ضمير أمة العرب والمسلمين يهدون اليهود
    ويستعيدون المسلوب من الغاصبين المعتدين إذا فاق الضمير الغافل عن تغافل القبلة الأولى ،،
    سطرت أمل الأمةوطموحها
    وما أخذ بالقوة لايستعاد إلا بالقوة

    1. أخي العزيز حزام آل فاهده، أحسنت وأجدت، فاليهود لن يكتفوا بسلب الأقصى، بل يسعون لما هو أبعد ضمن مشروعهم الاستيطاني الكبير، مدفوعين بصمتٍ عربي وإسلامي موجع، ودعم أمريكي مطلق. لقد لامستَ جوهر الحقيقة: الأقصى مقياس كرامتنا، وما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.

      كلماتك تذكيرٌ صادق بأن الواجب لا يُؤدَّى بالشجب ولا بالأماني، بل بالوعي والإرادة والصمود. بورك قلمك الذي يوقظ الضمير ويُبقي القضية حيّة.
      أبو سلطان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى