خواطر

حين يصبح الانسحاب انتصارًا صامتًا

حين يصبح الانسحاب انتصارًا صامتًا

العنود العنزي 

لم يكن التغيّر يومًا خياري، بل كان الوعي هو ما تبدّل. أدركت مع الوقت أن بقاء الإنسان في المكان الخطأ لا يُعد وفاءً، بل استنزافًا مؤجلًا. وأن وضع النفس حيث تستحق ليس أنانية، بل ضرورة تحفظ ما تبقى من الاتزان الداخلي.

لفترة طويلة، ساد الاعتقاد بأن الصبر قادر على ترميم كل شيء، وأن الإصرار قد يُعيد الحياة لما فقد نبضه. لكن التجربة كشفت وجهًا آخر للحقيقة: هناك أمور، كلما حاولت إنقاذها، غرقتَ معها أكثر. ليس كل ما يُحارب لأجله يستحق المعركة، ولا كل ما نتمسك به يُقدّر هذا التمسك.

القلب الذي يطرق أبوابًا مغلقة مرارًا، لا يتعلم الدخول… بل يتعلم التعب. والتشبث بما لا يتشبث بك، استنزاف صامت لا يُرى، لكنه يُنهك الروح. وحين تضيع الكلمات في طرق لا تصل، يصبح الصمت أكثر صدقًا من ألف عتاب.

الابتعاد لم يكن يومًا تعبيرًا عن كره، بل كان فعل حب ناضج للنفس. فحماية الذات لا تعني الهروب، بل تعني اختيار المعارك بعناية. أحيانًا، يكون الانسحاب هو القرار الأكثر شجاعة، انتصار لا يُصفق له أحد، لكنه يُنقذ صاحبه من خسارة أكبر.

في عالم يعلو فيه الضجيج، يصبح الصمت موقفًا. حين تفقد الكلمات معناها في قلوب لا تُنصت، يصبح السكوت لغة أبلغ. ليس كل حديث يستحق أن يُقال، ولا كل مستمع يستحق أن يسمع.

المبادئ لا تتغير بسهولة، لكن الوجوه تفعل. والنوايا، في كثير من الأحيان، تتلوّن وفق المصالح. عند هذه النقطة، يصبح الثبات على الذات خيارًا صعبًا، لكنه الخيار الوحيد الذي يحفظ الكرامة. أن تكون واضحًا، صادقًا، حتى لو وقفت وحدك، أفضل من أن تتنازل لتُرضي من لا يرى فيك سوى خيار مؤقت.

إدارة الظهر لم تكن ضعفًا، بل كانت إعلانًا صامتًا بأن الكرامة خط أحمر. فالقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى شرح، والحضور لا يُفرض على من لا يقدّره. الإنسان لا يُخلق ليُقنع الآخرين بمكانته، بل ليعيشها بثقة.

الكرامة لا تُقال، بل تُعاش. ومن لا يرى قيمتك، لا يستحق انتظارك. في النهاية، ليست كل الخسارات هزائم، فبعضها بداية نجاة

كاتبة رأي

 

 

العنود العنزي

كاتبة واعلامية ومشرفة "كل ما يخص المدينة"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى