كُتاب الرأي

حين يتكلم السيف

حين يتكلم السيف

محمد الفريدي

(الطبيعة والتاريخ لا يتوافقان مع مفاهيمنا عن الخير والشر؛ فهما يعرّفان الخير بالبقاء، والشر بالخسارة؛ والكون لا يفضّل يسوع على جنكيز خان).

هذه العبارة أوردها ويل وأرييل ديورانت في كتاب (دروس التاريخ).

وهي ليست جملة غير مهمّة في كتاب، بل هي مفتاحٌ لفهم عقل سياسي كامل، وقد استشهد بها بنيامين نتنياهو في خطاب علني، وحين يستشهد بها مثل هذا الدموي، فهو حتما لا يتفلسف ولا يستعرض ثقافته أمامنا ولا يغازلنا بالكلمات لأننا نحب الاقتباسات.

بل يعلن عن عقيدة راسخة، قوامها أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب، وأن ما لا يُفرض بالقوة لا يُعترف به.

وكثيرون من المسيحيين غضبوا لأنه اقتبسها، وفيها اختزالٌ للأخلاق من معناها المقبول والمستساغ، والصدمة ليست في العبارة بل في وضوحها؛ وتجريدُ العدوان من أي تزويق، ووضعُه أمام حقيقة صلبة لا تقبل التأويل.

ولا مكان فيها للرحمة، ولا وزن للعدالة إلا بقدر ما تخدم القوة، وهذه ليست قراءة أدبية للتاريخ، بل رؤيةٌ سياسيةٌ جديدةٌ للعالم اليوم؛ رؤيةٌ تُسقط الأقنعة، وتختزل العلاقات بين الدول في معادلة واحدة قاسية: إمّا أن تبقى، وإمّا أن تُمحى.

وحين يكرر نتنياهو مثل هذا الاقتباس، فهو يرسل به رسالة داخلية قبل أن تكون خارجية؛ ويخاطب شعبه أولا قائلا: نحن لا نتحرك في العالم العربي بدافع الشفقة أو المثاليات، بل بدافع البقاء.

ويخاطب خصومه أيضا قائلا: لا تنتظروا منا أن نُقاس بموازينكم الأخلاقية، لأننا نحتكم إلى ميزان آخر.

وفي هذا السياق، لا يختلف نتنياهو عن بن غفير أو سموتريتش، فهم جميعا يمثلون التيار المتطرف، والفروق بينهم تكتيكية لا جوهرية؛ ويتحركون داخل الإطار نفسه: أولويةٌ مطلقةٌ للبقاء، وتوسيع هذا البقاء، وضمان تفوقه ولو على حساب كل ما عداه.

والمسألة بالنسبة لهم ليست انفعالا لحظيا، بل امتدادٌ لإرث فكري طويل يبدأ من جابوتنسكي وفكرة (الجدار الحديدي)، ولا ينتهي عند آخر حكومة يمينية متطرفة، بل يتجذّر في بنية سياسية واجتماعية ترى الصراع مع العرب والمسلمين أمرا محتوما لا مفرّ منه.

وتتعامل مع القوة لا كخيار من الخيارات، بل كهوية لا تقبل المراجعة ولا التراجع، وتُبنى عليها السياسات، وتُقاس بها موازين الاستقرار والبقاء، ويُعاد من خلالها تشكيل الحضور والنفوذ وفرض معادلات الردع، بما يضمن استمرار تفوقهم وإعادة إنتاجه بصورة دائمة.

ولفهم هذه العقلية المتطرفة، لا بدّ من الرجوع إلى المفكر الصهيوني الروسي المتشدد فلاديمير (زئيف) جابوتنسكي، الأب الروحي لنتنياهو ولليمين الصهيوني المتطرف الحالي، وصاحب العقيدة التي ما زالت تتحكم في هذا التيار منذ عام 1968م وحتى اليوم؛ ولم يترك لهم مجالا للتأويل أو حتى المجاملة.

ففي مقاله الشهير عام 1923 (الجدار الحديدي)، كتب جابوتنسكي بوضوح فجّ أن العرب لن يقبلوا بالمشروع الصهيوني طوعا، وأن الحديث عن إقناعهم أو استرضائهم ليس سوى سذاجة سياسية.

والحل الذي يراه كان صريحا ومتطرفا: إقامة (جدار حديدي) من القوة العسكرية الساحقة يُفقدهم الأمل تماما في المقاومة، وعندها فقط يمكن الحديث عن تفاوض؛ فالسلام، في منطقه، لا يُصنع بالحوار، بل يُفرض عليهم فرضا وبالقوة الضاربة

وهذه الفكرة لم تمت بموته، بل تحوّلت إلى عقيدة متوارثة داخل اليمين الصهيوني، ومن هنا نفهم الصلة العميقة بين جابوتنسكي وبنيامين نتنياهو؛ الذي كان والده متأثرا بأفكاره، ومن المقربين إليه وسكرتيره الخاص.

وتشرّب رؤيته القائمة على الحسم والقوة والرفض المطلق لأي رهان على التعايش السلمي قبل إخضاعهم بالقوة، ونقل هذا الإرث الفكري إلى ابنه المتطرف بنيامين.

ليصبح امتدادا سياسيا مباشرا لمدرسة جابوتنسكي التي ترى أن الصراع العربي الإسرائيلي ليس أزمة طارئة، بل حالةٌ دائمة، وأن القوة ليست خيارا من الخيارات، بل خيارٌ لا يجوز التراجع عنه.

وجابوتنسكي لخّص المسألة بمبدأ متطرف: لا يمكننا العيش بين العرب إلا إذا حسمنا الصراع لصالحنا، ولا مكان هنا لحلول وسط، ولا لإيمان رومانسي بإقناعهم بالتنازل والقبول بالسلام طوعا.

والفكرة تقول إن العربي لن يقبل بنا إلا إذا فُرضنا عليه فرضا بالقوة، واقتنع بأن مقاومتنا مكلفة إلى درجة اليأس، حتى يستسلم نفسيا قبل أن يستسلم سياسيا، وبهذا نجعل من القوة شرطا أوليا لأي تسوية لاحقة لا تقوم على التوازن والحقوق، بل على الإخضاع بالقوة.

ومن هنا جاء اقتباس نتنياهو أن (الكون لا يفضل يسوع على جنكيز خان) متسقا تماما مع عقيدة جابوتنسكي المتطرف، الذي يؤمن بأن التاريخ لا يكتب مديحا للطيبين، بل يسجل أسماء الأقوياء والمنتصرين، وأن وجود اليهود بين العرب في فلسطين يُحترم حين تحميه القوة فقط.

ويُهمَل حين يفقد قدرته على التأثير في مجريات الأحداث أو حمايتهم، ويصبح وجودهم حينها هشّا بلا سند حقيقي يضمن استمرارهم أو يفرض شروطهم في معادلات الصراع، فتتحكم فيهم موازين الردع العربي وتفرض شروطها على مسار بقائهم واستقرارهم.

وقد يبدو طرح جابوتنسكي شيطانيا للبعض، لكنه في الحقيقة نفعي بالنسبة لليهود إلى أقصى حدّ، ولا ينطلق من تصور غيبي عن الخير والشر، بل من قراءة خالية من التأثر بالعواطف والأحداث التاريخية؛ فالإمبراطوريات، في اعتقاده، لم تُبنَ على المواعظ، بل على الجيوش.

والدول لا تُصان بالشعارات، بل بالقوة الضاربة، ومن لا يحمي نفسه يُمحى، مهما كانت نواياه طيبة ونبيلة، والتاريخ، في تصوّره، لا يعترف بالضعيف، ولا يمنح فرصة للبقاء لمن يتخلّى عن أدوات الردع والحماية ويجنح إلى السِّلم.

المشكلة أن هذا المنطق، حين يُطلق بلا قيود، يتحول إلى طاحونة لا تتوقف؛ فإذا كان البقاء هو معيار الخير الوحيد، فإن كل وسيلة تصبح مبررة، وإذا كانت الخسارة هي الشر، فإن منعها بأي ثمن يصبح واجبا مقدسا، وهنا تختفي المساحات الرمادية، ويصبح العالم ساحة صراع دائم، لا مكان فيه لاعتراف متبادل أو تعايش متوازن.

فهل التاريخ فعلا لا يعرف إلا هذا القانون؟ صحيحٌ أن القوة لعبت الدور الأكبر في رسم خريطة العالم، وأن المنتصرين كتبوا رواياته الرسمية.

والتاريخ نفسه مليءٌ بإمبراطوريات سقطت رغم جبروتها، وظنّت أن بقاءها أبدي، فاكتشفت أن عجلة الزمن لا ترحم، وأن منطق القوة الباطشة لا يضمن مطلقا بقاء أي دولة تعتقد أن القوة وحدها هي التي تُبقيها؛ فالقوة تُخضع، لكنها لا تمنح شرعية للبقاء ولا تصنع على المدى البعيد الاستقرارَ والسلام.

الاعتماد الكلي على القوة يخلق معادلة خطيرة: فكلّ توسّع يولّد مقاومة، وكلّ ضغط يولّد انفجارا، وقد تنجح سياسة (الجدار الحديدي) في إخضاعنا مؤقتا، لكنها تزرع في الوقت نفسه بذور صراع أطول وأعنف.

والبقاء بيننا بالقوة يشبه الوقوف فوق برميلِ بارود مع حراسة مشدَّدة؛ قد لا ينفجر اليوم، لكنه يظلّ قابلا للاشتعال في أي لحظة.

الخطورة الأكبر لا تكمن في تبنّي هذا المنطق داخل مجتمع واحد، بل في تحوّله إلى معيار شامل يحكم العلاقات الدولية. فإذا اقتنع الجميع بأن (الخير هو البقاء) فحسب، وأن الأخلاق أمرٌ ثانوي يمكن الاستغناء عنه، تحوّل العالم إلى غابة مفتوحة؛ لا يثق أطرافه ببعضهم، وكلٌّ يستعد لتوجيه ضربة استباقية. وهنا لا يعود السؤال: من على حق؟ بل: من يضرب أولا وبقوة؟

ومع ذلك، من السذاجة تجاهل أن كثيرا من الدول تتصرف وفق هذا المنطق فعلا، وإن لم تعلن ذلك صراحة. الفرق أن بعضهم يغلفه بلغة حقوق الإنسان، وبعضهم يصرّح به بوقاحة، ونتنياهو، حين استشهد بديورانت، اختار التصريح بدل التجميل، وقال بوضوح: نحن نقرأ التاريخ كما هو، لا كما نحب أن يكون.

لكن القراءة نفسها انتقائية. فالتاريخ لا يحفظ فقط أسماء الغزاة، بل يحفظ أيضا أسماء من صمدوا رغم ضعفهم، ولا يخلّد فقط من انتصروا بالسيف، بل أيضا من غيّروا مسار أمم بالكلمة أو الفكرة، والبقاء ليس دائما مسألة عسكرية بحتة؛ أحيانا يكون البقاء بالقيم أطول عمرا من البقاء بالجيوش.

الخلط بين البقاء والقوة الباطشة اختزالٌ مُخلّ؛ فالدول التي تعتمد على البطش فقط تنهار حين تفقد تماسكها الداخلي، والقوة التي لا تساندها شرعيةٌ أخلاقية تتحول إلى عبء على أصحابها قبل خصومهم، والتاريخ الذي لا يُفضّل يسوع على جنكيز خان لم يمنح أيضا جنكيز خان خلودا أبديا.

السؤال الحقيقي ليس: هل نتفق مع هذا المنطق أو نرفضه؟ بل كيف نتعامل معه واقعيا. فإذا كان خصمنا يرى العالم من زاوية البقاء بالقوة أولا، فإن الاكتفاء بإدانته لا يغيّر شيئا.

ولا بدّ لنا من فهم منطقه، وتفكيك أدواته، وبناء معادلة ردع ثقافية موازية؛ فالأخلاق وحدها لا تحمي الضعفاء، والبقاء بالقوة أيضا لا يضمن لهم السلام، والحظّ، كما يقول المثل الذي ينطبق عليه، لا يحالف الشيطان في كل الأوقات.

من يراهن على أن ميزان القوة سيبقى لصالحه إلى الأبد يخطئ في قراءة التاريخ نفسه الذي يستشهد به؛ فالتحولات الكبرى تأتي من حيث لا يتوقع أحد، والتحالفات تتبدل، والمجتمعات تتغير.

والضغوط الداخلية تتراكم بصمت قبل أن تنفجر، فتقلب موازين القوة رأسا على عقب، وتعيد تشكيل المشهد الإقليمي والدولي بصورة لا تشبه ما كان قبلها.

في النهاية، يبقى السؤال المعلّق: هل يمكن الجمع بين البقاء بالقوة والسلام، أم أن أحدهما يجب أن يلتهم الآخر؟ الإجابة ليست سهلة ولا مثالية.

لكن المؤكد إن اختزال أمريكا وإسرائيل العالم في قانون الغلبة وحده سيختزل أيضا تعقيدات العالم، والعالم العربي بالتحديد، ويؤسس لسلام مُعلّق فوق صفيح ساخن قابل للاشتعال في أي لحظة.

أما الذين يعتقدون أن الكون لا يفضّل أحدا، وأن البقاء للأقوى، فعليهم أن يتذكروا أن البقاء نفسه ليس أبديا، وأن القوة تتغير، والموازين تتقلب، واليقينيات تتآكل.

وفي لحظة ما قد يكتشف من رفع شعار (البقاء أولا) أن التاريخ الذي ظنه حليفه لم يمنحه وعدا دائما، بل فرصة مؤقتة سرعان ما تنتهي، وأن ما بُني على القوة الساحقة لا يصمد أمام اختبار الزمن.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى