حين تُزهِر الجراح
حين تُزهِر الجراح
ليس في الحياة ما هو أثمن من التجارب التي تُوجِعنا ثم تُنضِجنا.
فالجراح التي نحملها ليست ندوبًا على الجلد، بل دروسًا محفورة في الروح، تُعلّمنا كيف نُحبّ برفق، ونحلم بحذر، ونمضي بقوةٍ لا تُرى.
البعض يهرب من الألم، كأنه غابة مظلمة لا مخرج منها، لكن الحقيقة أن النور لا يولد إلا من العتمة.
في كل انكسار، ينكسر شيء من الغرور، وفي كل فقدٍ، يولد شعورٌ جديد يُعيد ترتيب القلب على وجهٍ أصفى.
الحياة لا تعتذر حين تُؤذينا، لكنها تكافئ الصابرين بطريقةٍ لا يتوقّعونها.
ربّما تهديهم سكونًا بعد ضجيج، أو تفتح لهم طريقًا لم يكونوا ليروه لولا العثرة الأولى.
ولهذا، لا شيء يضيع في رحلة الإنسان، فحتى الألم حين يُحتَضن، يُثمر فهمًا، وحين يُفهَم، يُصبح جمالًا.
علّمتني الأيام أن الجرح الذي لا يُزهر، هو الذي لم يُسقَ بالتسامح بعد.
وأن أجمل القلوب هي التي انكسرت، ثم جمعت شظاياها بهدوءٍ، دون ضجيجٍ ولا شكوى، ومضت تُحبّ الحياة من جديد.
تلك القلوب تعرف أن وراء كل وجعٍ رسالة، ووراء كل سقوطٍ نهوضًا أعمق.
فليس الجمال أن لا ننكسر، بل أن ننهض من انكسارنا بنورٍ أهدأ، وإيمانٍ أوسع
وحين نتأمل ما مضى، نكتشف أن كل ما كسرنا كان يعيد بناءنا بطريقةٍ أجمل، وأن كل طريقٍ أُغلق في وجوهنا، كان يحمينا من ضياعٍ أكبر.
إن الجراح التي نزفناها يومًا لم تكن عبثًا، كانت تُعيد صياغة أرواحنا على مهل، وتُعلّمنا كيف نصمت حين يعجز الكلام، وكيف نبتسم ونحن نحمل في داخلنا وجعًا لا يُرى.
تعلّمنا أن لا شيء يدوم، لا الحزن ولا الفرح، وأن مرور الأيام كفيل بأن يُغيّر ملامح كل شيء، حتى تلك الندوب التي ظننّاها أبدية، تُمحى حين نتصالح مع ما كُتب لنا.
فنحن لا نُشفى بالنسيان، بل بالقبول، حين نفهم أن ما حدث كان لابد أن يحدث، ليُخرج منّا نسخة أقوى، أصدق، وأقرب إلى حقيقتنا.
وفي لحظةٍ ما، ندرك أن الزهر لا يولد إلا من رحم الطين، وأن الجمال كثيرًا ما يخرج من أكثر الأماكن وجعًا.
حينها فقط، نصير أكثر امتنانًا للأيام التي أوجعتنا، لأنها علّمتنا كيف نُزهر، ليس بالأم ، بل بما حملته الأيام من دروس …
بقلم✍🏻 غادة خالد الحربي