كُتاب الرأي
حين تتحوّل الشكوى إلى عبادة

حين تتحوّل الشكوى إلى عبادة
باسم سلامه القليطي
هناك لحظات في الحياة يصبح الكلام للناس بلا جدوى، والبوح للخلق يزيد الوجع وجعا، لحظات يفيض القلب بما لا يحتمل، فيبحث عن ملاذٍ آمن، فيجد أن أقرب طريق هو طريق السماء، حيث المناجاة، حيث السميع العليم، اللطيف الرحيم، هنا تتحول الشكوى من حديثٍ للناس إلى مناجاةٍ للخالق، من كلماتٍ مثقلة بالحزن إلى تسبيحٍ واستغفارٍ ودعاء.
الشكوى تستهلكك، تعيدك إلى ذات الدائرة المغلقة، حيث الجرح يتسع مع كل بوح، والشكوى للخلق لا تُثمر إلا زيادة الحزن أو نظرات الشفقة، وربما لفتات التعجب أو النقد، بينما الشكوى للخالق، المناجاة الصادقة، تُثمر راحةً وسكينة، وتفتح أبواب فرج لا يملكها سواه سبحانه، فحين تقول: “سبحان الله”، فإنك تُعلي شأن المولى فوق كل شأن، وحين تهمس: “أستغفر الله”، فإنك تعترف بعجزك وحاجتك إلى رحمته، وحين تدعو: “اللهم فرّج همّي”، فإنك توقن بأن ما عند الله أعظم مما فقدت أو رجوت.
المناجاة ليست هروبا من الواقع، بل هي استدعاء لقوة تعينك على مواجهته، هي وقفة صادقة مع النفس، تعترف فيها بعجزك أمام أقدار الله، ثم تخرج منها أكثر قوة على احتمال ما كنت تظنه لا يُحتمل، إنها لحظة صدق تتبدّل فيها ملامح القلب من الانكسار إلى الرضا، ومن القلق إلى الاطمئنان، ومن الحيرة إلى الثقة بأن “مع العسر يسرا”، وهي تذكير دائم بأن القلب حين يلتفت إلى الله عز وجل، يكتشف أن حمله أخف، وأن الدرب أقصر مما كان يظن.
هناك، حيث تنطفئ ضوضاء الشكوى، يشرق صمت المناجاة، صمتٌ ليس خواءً، بل امتلاءٌ باليقين أن الله أقرب من حبل الوريد، وأن رحمته تسبق الغمام، وأن فرجه قد يأتي في لحظة لا تخطر على قلب بشر، تسبيحة واحدة تذكّر القلب بأن فوق كل همّ ربًّا أعظم، واستغفار صادق يغسل غبار الحيرة عن الروح، ودعاء خافت يشعل في القلب نور الرجاء، هناك، في لحظة الصدق، يذوب الانكسار ويولد اليقين.
حين تستبد بك الرغبة في البوح، لا تحدث الناس، بل حدّث الله تعالى، اشكُ له همك، وأفضِ إليه بدعائك، وأطل عليه تسبيحك واستغفارك، ستكتشف أن القلب يتبدّل، من غائم إلى صافٍ، من مُثقل إلى خفيف، من مضطرب إلى مطمئن.
وما أجمل أن يكون للسانك عادة جديدة: أن يتحول كل أنين إلى ذكر، وكل تنهيدة إلى دعاء، وكل دمعة إلى رجاء، هنا تبدأ رحلة السكينة، هنا يصبح القلب حياً بإيمانه، نابضاً برضا ربه، حاضراً مع عظمته في كل لحظة، حينها، ستكتشف أن الهموم لم تعد تسكنك كما كانت، وأن الظلام لم يعد معتما كما بدا، وأن الطريق الذي يقودك إلى الله يختصر كل مسافات التعب.
وفي الختام، نسأل الله أن يفرّج همّ المهمومين، وأن يجعل لنا من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، وأن يرزقنا لذة المناجاة ولطف القرب، فهو القريب الذي يسمعنا حتى قبل أن ننطق.