كُتاب الرأي

حين تبتسم التفاصيل الصغيرة

حين تبتسم التفاصيل الصغيرة

بدرية علي العنزي

كما يُبنى البنيان طوبةً طوبةً حتى يصبح متكاملًا ليأوي إليه ساكنيه، كذلك السعادة تُبنى في أعماق الإنسان من الالتفات إلى التفاصيل الصغيرة، وتزهر داخله نتيجة ممارسته لمتعة الانغماس الحسي في الأشياء البسيطة المحيطة به.

فكم من لحظة صغيرة عابرة، لو تلذذت بجمالها، لأصبحت دهشة رائعة وغيرت بمنحى كبير شعورك للأفضل؛ كنسمة لطيفة، ضحكات أطفال بصوت عالٍ وهم يلعبون لا يقلقهم مستقبل ولا يثقلهم ماضٍ، قطراتٌ من المطر تنهمر على الأرض بتناغم، بخارٌ متصاعد بسلاسة من كوب قهوة في يوم بارد، زهرة صغيرة نمت بين الشقوق في أرض صلبة، فراشة ترفرف بأجنحتها الزاهية، أصوات العصافير غدوًا ورواحًا وكأنها تملأ الدنيا نغمًا جميلًا وأعزوفة ربانية أودعها الله في حناجر هذه الكائنات اللطيفة.

للأسف قد تبدو هذه النعم اليسيرة تافهة لدى البعض، فهو مشغول بالصورة الكبيرة والإطار العام لحياته متناسيًا الالتفات لهذه السعادات الصغيرة.

كلوحةٍ في غاية الجمال قد لا تشدك عندما تراها من بعيد وهي على الحائط ولأول وهلة، ولكن عندما تكون شخصًا متذوقًا تقترب أكثر، ترى تناسق الألوان وإبداع الأنامل التي رسمتها، فتغوص بجمالٍ لامتناهٍ لموهبة أودعها الله في أحدهم لإمتاع حاسة البصر لديك وليبهر بها ناظريك.

إن الجمال الحقيقي للحياة يكمن في التفاصيل الصغيرة، فمن لا يرى الجمال في الأشياء البسيطة لن يراه غالبًا فيما هو أكبر، فمن النعم العظيمة التي وهبنا الله تعالى إياها نعمة الحواس الخمس، ومن العبادات العظيمة التي أمرنا الله بها عبادة التفكر والتدبر فيما حولنا من جمال وإبداع لتفعيل شعور السعادة والمتعة والدهشة.

كاتبة رأي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى