كُتاب الرأي

حكمة القيادة… ومسؤولية الدولة في زمن الاضطراب .

حكمة القيادة… ومسؤولية الدولة في زمن الاضطراب .

كتبه؛ اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

الجمعة (10) أبريل 2026م

في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتضيق فيه مساحات التهدئة، تظهر قيمة الدول لا في اندفاعها، بل في قدرتها على ضبط إيقاعها. وهنا تتجلى حكمة المملكة العربية السعودية بقيادتها – أعزّها الله بنصره – في إدارة موقف بالغ التعقيد، دون الإستدراج إلى مسارات لا تخدم الاستقرار الإقليمي ولا مصالح الشعوب.

ففي ظل الحرب الدائرة بين الجانب الأمريكي والإسرائيلي من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، اختارت المملكة نهجًا متوازنًا يقوم على الدبلوماسية الهادئة والحضور السياسي المسؤول، بعيدًا عن الاستفزاز أو التورط في تصعيد لا تملك أطرافه أفقًا واضحًا.

هذا الموقف لم يكن حيادًا سلبيًا، بل قرارًا سياديًا واعيًا يستند إلى قراءة عميقة لطبيعة الصراع وتعقيداته، وإلى إدراك أن الانخراط غير المحسوب قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. وهو نهج لا يعكس تراجعًا، بل ثقة راسخة بقدرة الدولة على حماية مصالحها دون الاندفاع إلى مسارات غير محسوبة. لذلك جاءت السياسة السعودية، كما عكسته بيانات الجهات الرسمية ونهج الإعلام السعودي الرصين، قائمة على تغليب لغة الحكمة وضبط النفس، والتأكيد على أهمية خفض التصعيد، وحماية أمن المنطقة واستقرارها.

وفي هذا السياق، يبرز ما أعلنته وزارة الطاقة من تعرض عدد من منشآت الطاقة لاستهدافات متعددة، وما نتج عنها من خسائر بشرية مؤلمة وتعطل جزئي في بعض العمليات. ورغم جسامة الحدث، فإن التعامل معه جاء ضمن إطار مسؤول يعكس تماسك الدولة، وحرصها على الشفافية، وقدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة دون تهويل أو انفعال.

كما أن استمرار تدفق الإمدادات، والعمل على استعادة التوازن في منظومة الطاقة، يؤكد أن المملكة لا تنظر إلى هذا القطاع بوصفه موردًا اقتصاديًا فحسب، بل باعتباره مسؤولية دولية ترتبط بأمن الأسواق واستقرار الاقتصاد العالمي، وهو نهج طالما أكدته المملكة في مختلف المحافل.

وفي سياق لا ينفصل فيه السياسي عن القانوني، فإن ما تعرضت له منشآت الطاقة من استهدافات يمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي ومساسًا مباشرًا بالأعيان المدنية والبنية التحتية الحيوية، وهو ما يترتب عليه حق أصيل للمملكة العربية السعودية في المطالبة بكامل التعويضات المادية والبشرية عبر منظمة الأمم المتحدة والجهات العدلية الدولية المرتبطة بها، بما يشمل آليات المطالبة والتقاضي الدولي، استنادًا إلى قواعد المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة، وما يثبت من أدلة وقرائن قانونية تدين هذا العدوان الإيراني الآثم الغاشم .

وفي الميزان السياسي، تثبت المملكة العربية السعودية أن القوة لا تقاس فقط بقدرتها على الرد، بل أيضًا بقدرتها على الاختيار… اختيار التوقيت، واختيار المسار، وضبط قراراتها الاستراتيجية المستقبلية بما يخدم الاستقرار على المدى البعيد.

فالدول الكبرى لا تستدرج… بل تحسن إدارة اللحظة، وتصنع من التحديات مسارات أكثر اتزانًا نحو المستقبل .

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

كاتب رأي - ملحق عسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى