*جبر الخواطر… حين تعود القلوب إلى الحياة*
*جبر الخواطر… حين تعود القلوب إلى الحياة*
*✒️ محمد عمر المرحبي*
الحمد لله حمداْ يليق بجلاله ويوافي نعمه ويكافئ مزيده والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي كان ألين الناس قلباْ وأعظمهم رحمة وأجبرهم لخواطر من حوله، فكان حضوره طمأنينة وكلمته جبراْ وسيرته درساْ عملياْ في مراعاة النفوس وصيانة مشاعرها.
ومن هذا المعين النبوي الصافي تتشكل قيمة جبر الخواطر في حياة الناس لا بوصفها خُلُقاْ مثالياْ يُتغنى به بل سلوكاْ يومياْ يعيد للإنسان توازنه في عالم يزداد قسوة وتسارعاْ.
في زحام الحياة حيث تتسارع الخطى وتثقل الأيام بما تحمله من أعباء تمرّ القلوب بلحظات خفية من الانكسار لا يلحظها كثيرون قد يبدو الإنسان ثابتاْ في ظاهره متماسكاْ في كلماته لكنه في داخله يخوض معارك صامتة لا يُفصح عنها ولا يطلب لأجلها يداْ تمتد أو كلمة تُقال في هذه المساحة الدقيقة من المشاعر يظهر معنى جبر الخواطر كواحد من أرقى ما يمكن أن يقدمه إنسان لآخر لا بوصفه سلوكاْ عابراْ بل باعتباره وعياْ عميقاْ بالإنسان وما يعتريه.
جبر الخاطر ليس فعلاْ كبيراْ بالضرورة ولا يحتاج إلى مواقف استثنائية. كثيراْ ما يتجلى في تفاصيل صغيرة: كلمة تُقال في وقتها موقف يُتجاوز عنه أو صمت مقصود يحفظ للآخر كرامته. هذه الأفعال على بساطتها تحمل في داخلها أثراْ بالغاْ لأنها تصل إلى مواضع حساسة في النفس لا تُدرك بالعين بل تُحس بالقلب.
والإنسان حين يُجبر خاطره لا يستعيد فقط توازنه اللحظي بل يُعاد ترميم جزء من ثقته بالحياة وبمن حوله. فالكلمة اللطيفة قد تُطفئ قلقاْ وتخفف وطأة يوم ثقيل وقد تكون سبباْ في إعادة ترتيب أفكارٍ كادت أن تنحرف أو تنهار. وفي المقابل فإن الإهمال أو القسوة في لحظة ضعف قد تترك أثراْ طويلاْ لا يُمحى بسهولة لأن النفس تحتفظ بما جرى عليها في لحظات هشاشتها أكثر مما تتذكره في أوقات قوتها.
ومن هنا فإن قيمة جبر الخواطر تتجاوز حدود الفرد إلى المجتمع بأكمله. فحين تسود هذه الروح تتراجع حدة التوتر ويشعر الناس بأنهم في بيئة تُراعي إنسانيتهم قبل أي اعتبار آخر. يصبح التعامل أكثر رفقاْ والاختلاف أقل حدّة لأن هناك وعياْ ضمنياْ بأن لكل إنسان مساحة من الضعف تستحق أن تُصان لا أن تُستغل.
غير أن هذا الخلق على رقته يحتاج إلى توازن دقيق. فليس كل لطفٍ صادقاْ ولا كل مجاملة جبراْ حقيقياْ. قد يتحول الأمر أحياناْ إلى تزييفٍ للواقع أو مجاراة لا تخدم صاحبها وهنا يفقد جبر الخاطر قيمته لأنه يقوم على الصدق أولًا ثم يُقدَّم في صورة تحفظ الكرامة دون أن تُشوّه الحقيقة. كما أن القسوة التي تُبرر بالصراحة ليست إلا تعبيراْ عن خلل في الفهم لأن الصدق يمكن أن يُقال بطريقة لا تجرح ولا تُسقط من قدر الإنسان.
إن جبر الخواطر في جوهره ليس مجرد تصرف بل أسلوب في النظر إلى الآخرين وطريقة في قراءة ما لا يُقال. هو وعي بأن النفوس ليست مساحات مفتوحة للتجربة وأن لكل كلمة وزناْ ولكل موقف أثراْ قد يمتد أبعد مما يُتوقع.
وفي النهاية تبقى المواقف العابرة هي التي ترسم الصورة الأعمق في الذاكرة. لا تُحفظ التفاصيل بقدر ما يُحفظ الأثر الذي تتركه في النفس. وبين زحام الأيام يظل أجمل ما يمكن أن يمرّ بالإنسان موقف خفيف أو كلمة صادقة أعادت إليه شيئاْ من توازنه وكأنها تقول له بصمت: ما زال في العالم متّسع للرحمة.
كاتب رأي