*تعثر المفاوضات… حين تتحول المناورة إلى سياسة .*
*تعثر المفاوضات… حين تتحول المناورة إلى سياسة .*
لم يكن ما جرى في إسلام آباد تعثرا عابرا في جولة تفاوضية، بل جاء نتيجة مباشرة لنهج يتبناه النظام الإيراني يقوم على إطالة الأزمات وتعطيل مسارات الحل. دخلت طهران الجولة بخطاب مزدوج، أظهرت فيه رغبة شكلية في التهدئة، وفرضت في الوقت ذاته شروطا مرتفعة تعيق أي تقارب فعلي، فدفعت المفاوضات عمدا إلى طريق مسدود.
اعتمد النظام الإيراني أسلوب المناورة وكسب الوقت، وأدار الجلسات كأدوات مساومة ممتدة بدلا من منصات للحل. وسع فجوة الخلاف بدل تضييقها، وأعاد طرح القضايا نفسها دون تقديم تنازلات، بهدف الحفاظ على أوراق الضغط وإبقاء حالة التوتر قائمة لخدمة أجندته الإقليمية.
رفضت طهران تحويل الضغط الدولي إلى التزامات واضحة، وتمسكت بإدخال شروط إضافية تعطل أي تقدم، وهاجمت المطالب المطروحة ووصفتها بغير الواقعية، في محاولة لخلط الأوراق وإعادة ضبط مسار التفاوض بما يخدم مصالحها. هذا السلوك أكد أن النظام الإيراني لا يسعى إلى اتفاق، بل يسعى إلى إدارة أزمة طويلة يفرض من خلالها واقعا تفاوضيا جديدا.
واصلت طهران استخدام أدواتها التخريبية عبر أذرعها الإرهابية والجاسوسية في المنطقة، وفعّلت هذه الأذرع لرفع مستوى التوتر والضغط غير المباشر على خصومها. لم تكتف بالمناورة داخل قاعة التفاوض، بل نقلت الضغط إلى الميدان، لتعزيز موقفها التفاوضي وإجبار الأطراف الأخرى على تقديم تنازلات.
وفي هذا السياق، استخدم النظام الإيراني مضيق هرمز كأداة ضغط يومية، ولوّح بتهديد الملاحة وأمن الطاقة، ورفع كلفة القرار الدولي، وأبقى الأسواق العالمية في حالة قلق مستمر. هذا الاستخدام السياسي للممرات الحيوية كشف بوضوح نهجا يقوم على الابتزاز الاستراتيجي وليس على الالتزام بالقانون الدولي.
تسبب هذا السلوك في آثار سلبية متراكمة داخل إيران، حيث استمرت العقوبات، وتراجعت الثقة الدولية، وتقلصت الفرص الاقتصادية، نتيجة مباشرة لسياسات تعنت ترفض التكيف مع متطلبات الاستقرار. ومع ذلك، واصل النظام الإيراني هذا النهج دون مراجعة، ما يؤكد أن الأزمة جزء من أدواته وليست نتيجة عابرة.
تأثرت دول الخليج العربي بشكل مباشر بهذا النهج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، نظرا لارتباط أمنها الوطني واستقرارها الاقتصادي بأمن الممرات البحرية واستمرار تدفق الطاقة. وأي تهديد لهذه الممرات ينعكس على استقرار المنطقة بأكملها، ويكشف خطورة السلوك الإيراني على الأمن الإقليمي والدولي.
أعادت طهران تعطيل فرص تمديد الهدنة، وأبقت قنوات التفاوض مفتوحة شكليا دون نتائج فعلية، بهدف كسب الوقت وإعادة التموضع. وأكدت بذلك أنها تدير الأزمة ولا تسعى إلى حلها، وتستخدم المفاوضات كغطاء سياسي لتحركاتها الميدانية.
الخلاصة:
عطّل النظام الإيراني مفاوضات إسلام آباد بشكل مباشر، وفرض مسارا تفاوضيا قائما على التعنت والمناورة، واستخدم أذرعه الإرهابية والجاسوسية وأدواته التخريبية لرفع مستوى التوتر. ومع استمرار هذا النهج، ستبقى أي هدنة مجرد استراحة تكتيكية مؤقتة، تؤجل التصعيد ولا تمنعه، وتبقي المنطقة رهينة سلوك لا يحترم استقرارها ولا أمنها.
من يطيل أمد الأزمة… يجعلها وسيلته لا مشكلته،
والسلطة التي تعيش على التوتر… تخشى السلام أكثر مما تخشى الحرب.
اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
الأحد (12) أبريل 2026م .
