كُتاب الرأي

(ترامب وتردده السياسي)

(ترامب وتردده السياسي)

محمد سعد الربيعي 

تتواتر المعلومات العسكرية والسياسية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية، والتصريحات الرئاسية ضد إيران من الرئيس الأمريكي ترامب، وكذلك من وزيري دفاعه وخارجيته، وكذلك من نتنياهو وفريقه السياسي والعسكري الذي لا يزال يرد على تلك التصريحات الأمريكية بشبه الموافقة الإسرائيلية لها على استحياء شديد، ولكي تتلافى (إسرائيل) وجود أي خلاف معها (أمريكا)، وبالتالي تصطدم بالموقف الأمريكي المتردد من ترامب الذي لم يثبت على توجه واحد منذ بدء الحرب حتى الآن.

من المستغرب في حالة ترامب هذه هو تصريحه بأنه سيترك مضيق هرمز مقفلاً، حيث قال في أحد تصريحاته إنه سيطلق عليه اسم ترامب بدلاً من هرمز، بينما قال في تصريح آخر وحديث إنه سيتركه تحت السيطرة الإيرانية.

وأضاف بأن من يريد البترول فليأتِ لفتح هذا المضيق، وهو يوجه تهديده ذلك أو تردده وخشيته من الاستمرار في حربه مع إيران لدول حلف الناتو التي أصابته خيبة أمل كبيرة منها، حيث لم تسمح له باستخدام قواعدها، كما أنها رفضت المشاركة في الحرب تحت ذريعة عدم استشارتهم الدخول فيها!

وفي الجانب الآخر، وهو إيران، لا نزال نرى التعنت الإيراني في استمرارها بقفل المضيق، وتهديدها لكل من يحاول أن يتجاوزه أو التدخل فيه، رغم كل ما قيل عن تدمير القوة البحرية الإيرانية والصاروخية لطهران، وكذلك التدميرية التي أوقعها الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على منصات الصواريخ الإيرانية وقواعدها ومخابئها في بطون الجبال وأعماقها، وضرب كل القدرات الصناعية في إيران، وهو ما يثير التساؤل عن هذا التصلب الإيراني في ظل التردد الأمريكي، بل التصريحات المتضاربة الأمريكية التي أعطت ارتياحاً نفسياً للإيرانيين بفتور القدرة الأمريكية الإسرائيلية في الاستمرار بمواصلة حربها مع إيران، وبالتالي تؤدي إلى التصلب الإيراني في موقفها العسكري والسياسي رغم الهزيمة الكبيرة التي تعرضت لها طهران، والتشبث بالمواقف المعنوية التي تنشأ من خلال تلك التصريحات الأمريكية المتراخية حول الاستمرار في هذه الحرب من عدمه، وهو ما تفسره إيران بأنها استطاعت هزيمة أمريكا وإسرائيل مجتمعتين! واستغلال التناقضات السياسية في الموقف الأمريكي، حيث استطاعت إيران المراهنة عليها لما يدعم موقفها المعنوي للاستمرار في تعنتها المتمثل في قفل المضيق، وعدم الاستسلام الذي بشر به ترامب!

ستخيم نتائج هذه الحرب على العالم بالكثير من تلبد الغيوم، وسيتأثر العالم منها بشكل عام، ناهيك عن دول المنطقة والدول التي تستفيد من طاقة دول الخليج بما فيها إيران، وسيكون لانسحاب أمريكا من الحرب نتائج وخيمة، ولعل أهمها هي عودة إيران الإرهابية بقوة، وإعادة تمركزها في المنطقة، وإعادة إحياء ذيولها، بل دعمها بقوة ونشرها في كل زاوية من زوايا المنطقة تمهيداً لخلق حالة جديدة من إثارة الفوضى، لتتمكن إيران بالتالي من فرض سيطرتها الفعلية على مقدرات العالم، بل ربما تسعى للتأثير على بعض أنظمة الدول الخليجية الضعيفة وإثارة القلاقل فيها لخلق حالة من عدم الاستقرار الدولي، وإعادة الفوضى الإرهابية التي تنجح إيران في إدارتها وتوفير عدم الشرعية لها، ضاربة عرض الحائط بكل القنوات والسبل الدبلوماسية لدول العالم، خاصة وأنها ستستأسد ولن يستطيع أحد إيقافها عند عدم تغير نظامها الملالي الإيراني الآن من قبل ترامب!

إذاً المنطقة تمر في مرحلة حساسة ودقيقة في حالة تنفيذ ترامب لتصريحاته المترددة والمتمثلة في الانسحاب من الحرب، ولعل قيامه بذلك يعطي انطباعاً خطيراً في مصداقية هذه الدولة التي تدعي أنها القوة الأولى في العالم، ومصداقية تحالفاتها مع الدول الأخرى في المنطقة والعالم بشكل عام، حيث سيكون لانسحابها الآن وفي هذا التوقيت الدقيق الذي ادعت فيه واشنطن تدمير طهران، بينما هي تركت الساحة بعد أن أشعلت النار فيها دون أن تقضي على تلك الجذوة المتمثلة في نظام الملالي الإرهابي في طهران الذي سيعود بخنق العالم وارتهانه نتيجة سياسة أمريكا المتراخية في إدارة أزمات العالم.

ولعل أيضاً ما يدعو للتساؤل هي تصريحات ترامب بأنه قضى على نظام طهران، وأتى بوجوه جديدة يستطيع التحدث معها لتأسيس نظام جديد وبعيد عن نظام خامنئي وابنه مجتبى، وطُرح اسم قاليباف رئيس البرلمان الإيراني الذي يعد أحد ضباط الحرس الثوري، وهو أحد إرهابيي النظام السابق، وكأن المثل الذي يقول (شارد من القوم وطايح في السرية) ينطبق على السيد ترامب وفريقه السياسي الذي يحاول الالتقاء بقاليباف ليتم تكليفه بإعادة نظام الملالي الذي سيكون أشد شراسة من نظام خامنئي.

كما أن ما يدعو للتساؤل هو عما إذا كان السيد ترامب تأكد من القضاء على قوة طهران التي لا زالت تؤرق المنطقة وتنهال عليها يومياً، بما فيها إسرائيل التي فشلت كل دفاعاتها ومظلاتها الدفاعية في اصطياد صواريخ طهران، حيث رغم التكتيم الإعلامي الإسرائيلي يبدو أن تل أبيب تلقت ضربات موجعة من إيران، وهنا قد يدور السؤال عما إذا كان هذا التردد الأمريكي هو الخشية على تدمير إسرائيل، أم أن ذلك يعود للنفس القصير الأمريكي الإسرائيلي للاستمرار في هذه الحرب وتبعياتها، وهو ما يراهن عليه الجانب الإيراني.

يُعد الانسحاب الأمريكي، ولو كان تكتيكياً، هزيمة لأمريكا في نظر إيران وقاليباف المختار أمريكياً ودول المنطقة، وكذلك في دول العالم أجمع، ولعل أحد الأسباب الرئيسية في هذه الهزيمة تضارب تصريحات ترامب التي، كما أشرت، كان لها وقع نفسي جيد لدى ملالي إيران الذين كسبوا الرهان على الوقت الذي نفد صبر ترامب منه، ولعل ما سيؤكد هزيمة أمريكا في هذه الحرب هو الخطاب الذي سيلقيه الرئيس الأمريكي ترامب مساء هذه الليلة، والذي قد يُعد في نظر ملالي إيران استسلام أمريكا أمامها ما لم يكن هناك تغيير طارئ في توجه السيد ترامب وتغيير خططه العسكرية.

كاتب رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى