كُتاب الرأي

تراكمات الطفولة: بين الذاكرة والوعي

تراكمات الطفولة: بين الذاكرة والوعي

رؤى مصطفى

الطفولة ليست زمناً يمر فحسب، بل هي بنية تحتية للوعي الإنساني.

فما نعيشه في تلك المرحلة من أحداث تبدو عابرة في ظاهرها، يتسرب إلى أعماقنا كجذور خفية تواصل النمو معنا.

إنها ليست مجرد صور متفرقة في الذاكرة، بل هي شيفرة وجودية تحدد مسار النضج وميلاد الشخصية.

حين نُكلَّف في صغرنا بأعباء لم يكن من حقنا أن نتحملها، يولد في داخلنا وعي سابق لأوانه.

هذا الوعي المبكر يمنحنا قدرة على الصبر والاحتمال، لكنه في الوقت نفسه ينتزع منا جزءاً من البراءة التي هي جوهر الطفولة.
وهنا يتجلى التناقض: الطفولة التي من المفترض أن تكون مساحة للعب والاكتشاف، تتحول إلى ساحة صراع صامت بين البراءة والعبء.

الفيلسوف الألماني نيتشه يرى أن الإنسان يحمل في داخله الطفل الأبدي، ذلك الكائن القادر على إعادة خلق المعنى وتجديد الرؤية. غير أن هذا الطفل الداخلي يبهت كلما أثقلناه بما لا يطاق. ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي هو أن نستعيد هذا الطفل، لا باعتباره مرحلة زمنية مضت، بل باعتباره طاقة وجودية كامنة تنتظر أن نمنحها شرعية الظهور.

الاعتراف بما حملناه في طفولتنا ليس استدعاءً للضعف، بل هو فعل وعي.
فكل عقدة لم تُفكك في الصغر تتحول إلى عدسة نرى بها العالم.

وإذا لم نواجهها بوعي، فإنها تحدد اختياراتنا دون أن ندرك.
أما إذا أعدنا النظر إليها بعين النضج، تحولت من عبء إلى درس، ومن عقدة إلى خبرة، ومن ندبة إلى معنى.

إن الطفولة إذن ليست مجرد ماضٍ يُطوى، بل هي نص داخلي يُعاد تأويله باستمرار. وكلما فهمنا تراكماته بعمق، كلما استطعنا أن نعيش الحاضر ببراءة جديدة ونضج متصالح مع ذاته.

كاتبة رأي

 

رؤى مصطفي

كاتبة رأي ومستشارة إعلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى