آفاق في عين العالم

بين حياة الموت، وموت الحياة

بين حياة الموت، وموت الحياة

وليد قادري

(اطلبوا الموت توهب لكم الحياة)، مقولة عن سيدنا أبي بكر الصديق -رضي الله عنه خير أهل الأرض بعد الأنبياء عليهم السلام،- وقد غاص في معانيها الكثير من العلماء والمفكرين والعارفين وفسروها بتفسيرات كثيرة..

مما استخلصته من بعض التفسيرات أن الموت في سبيل (الحق) و(الشرف) و(العزة) و(الوطن) سيحيي ذكرك بين الناس وستجد المغزى الحقيقي لوجودك في هذه البسيطة ..

نحن خلقنا لنعبد الله ونحيي الأرض، ومن وسائل إحياء الأرض غرس القيم، وحينما تموت من أجل إعلاء هذه القيم فأنت لم تمت، بل أحييتها وأحييت ذكرك والأمل والعدل ..

يبقى تحديد هذا (الحق) بما استقيناه من القرآن الكريم والسنة الشريفة، ولا أرى (حقاً) في إزهاق الأرواح البريئة وتفجير الممتلكات وتوجيه بوصلة (التضحية) إلى الاتجاه العكسي ..

في (الموت) حياة، واسأل عن ذلك الذين أنقذت حياتهم بفضل متبرع بأعضائه بعد موته، أو بفضل جندي ومجاهد حمى وطنه، واسأل من استفاد من علوم من رحلوا عن دنيانا، واسأل من أغنتهم الصدقات الجارية عن مهانة السؤال، واسأل كياناً عامراً أسسه صاحب رؤية وفضل واستمر بعد (موته)..

إن (الموت) كما يراه الكثير من مختلف العصور والجنسيات والأديان ليس سوى مرحلة، جسر، يعبر بك إلى محطتك الثالثة في وجودك، حيث أن المرحلة الأولى كانت قبل ولادتك وأنت في ملكوت الله تنتظر دورك بعد أن عاهدت الله بأن تعبده لا شريك لك حينما مسح على ظهر سيدنا ووالدنا آدم عليه السلام، والمرحلة الثانية أنت فيها الآن، والمرحلة الثالثة عودتك لعالم البرزخ انتظاراً لنهاية كل العوالم والأبعاد للانتقال للمحطة الأخيرة والحياة الأبدية..

روحك التي قدرها العلماء الغربيون ب 21 جراما في التجربة التي أقيمت لقياس وزن مرضى يحتضرون قبل وبعد وفاتهم، والتي تحمل كل ذكرياتك وآمالك وآلامك وحنينك ومخاوفك، هذه الروح التي تزور أحبابها في منامها كلما حنت..

لذلك قد نرى الحياة والموت كمتضادين، كالأبيض والأسود، النور والظلام، ونصور الموت قاتماً كئيباً مع أننا لم نشهد تلك التجربة أما من جربها لم يعد منها ليحكي لنا عن عالمهم..

يحدثنا الرسول ﷺ عن بعض معالم عالم البرزخ من رؤيتنا لمقاعدنا ومصيرنا في الحياة الأبدية وزيارات الأرواح للأحياء ومنها مقابلته لأخوته الأنبياء عليهم السلام بعد موتهم والحديث معهم، بينما في الواقع الحياة هي مرحلة والموت جسر لمرحلة أخرى ..

خوفنا من (الموت) لا يعدو كوننا نخاف من المجهول، من مفارقة الأحباب، من قلة الزاد والعمل الذي يؤهلنا لمكانة أكبر بعد رحمته سبحانه في البرزخ والجنة، نخاف ألا يكون عملنا كافياً، نخاف ألا نترك ذكرى طيبة، نخاف على من نعولهم وكيف سيتصرفون بعد رحيلنا مع أن رزقهم محفوظ عند رب العالمين..

هذا الخوف الفطري الغريزي، جعل الرسول ﷺ يمنع المجاهدين الذين لهم والدين يحتاجانهم، فكما كان يُقدر الموت في سبيل الله كان يُقدر الحياة رغم علمه بأنها لا تعدو استراحة بسيطة تحت ظل شجرة مقارنة برحلة الروح الأزلية عبر العوالم ..

أما من صنع من حياته طريقاً إلى (الموت)، إما بخطف الأرواح البريئة، أو العيش في روتين ممل وحياة سطحية، فلا هو عمّر دنياه ولا عمّر آخرته، وعمار الدنيا بالعبادة، والعبادة ليست صلاة وصياما ًفقط، بل العمل عبادة والبناء عبادة والفكر عبادة والتربية عبادة والفرح عبادة وكل ما يجعلنا نحمد الله على نعمه ونشكره هو عبادة أيضا..

اقرأ لو شئت عن صناعة (الحياة) وصناعة (الموت)..

لا تجعل من (حياتك) موتا، بل اجعل منها قبل وبعد (موتك) حياة تستحق..

كاتب رأي 

 

 

وليد قادري

كاتب رأي وقاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى