كُتاب الرأي

بين الكراسي والضمير

بين الكراسي والضمير

محمد الفريدي

أيها الإخوة والأخوات في مجلس الشورى، قد تُعيَّنون اليوم وتُستبدلون غدا، فهذه سُنَّة المناصب؛ لا بقاء فيها لأحد. الكراسي لا تُخلِّد أحدا، والمناصب لا ترفع إلا من يستحقها. تذكّروا دائما أن الله يراكم وإن لم تروه، ويسمع أقوالكم حين تظنون أن جلساتكم مغلقة لا يطّلع عليها أحد.

أنتم هنا لا لتضيفوا لقبا جديدا إلى بطاقاتكم وألقابكم، ولا لتملأوا مقاعد مجلسكم بالتصفيق والبيانات المنمَّقة، بل لأن الناس تنتظر منكم أن تكونوا ضمير الوطن وصوت الحق حين يسكت الجميع عن قول الحق.

نعم، نحن في وطن عظيم، وطن ينهض كلَّ يوم بفكر جديد ومشاريعَ ضخمة، لكن ما قيمة كلِّ هذا إنْ بقي المواطنُ البسيطُ يشعر أنَّ صوتَه لا يُسمع، وأنَّ مشكلتَه لا تُرى، وأنَّ قراراتكم تمرُّ كما تمرُّ الرياحُ فوقَ الرمالِ بلا أثر؟

في البدايات، كان اسم مجلسكم “مجلس الشورى” يعني المشورة، وكان الناس ينتظرون جلساتكم بشغف حين كان يُعرض منها علينا مقاطع قصيرة، ونقرأ مداخلاتكم ونعلق عليها، ونظن أنكم تحملون همومنا من الشارع إلى قبة الشورى.

أما اليوم، فقد صارت الثقة تُستبدل بالشك، وحسن الظن بالسخرية، ليس لأن الناس تغيّروا، بل لأن كثيرا من الوجوه تغيّرت ملامحها بعد الكرسي.

من كان يشارك الناس قضاياهم، اختفى خلف المكاتب الفخمة، ومن كان يردّ على رسائلنا في “تويتر”، صار لا يفتح التطبيق إلا ليتباهى بصورة أو تصريح بلا مضمون.

أين أولئك الذين وعدونا أن يكونوا جسرا بيننا وبين قرارات الحكومة؟ لقد انقطع الجسر، وصار صوتنا لا يصل إلا إذا حمل معه مصلحة أو أسما كبيرا.

لا أحد ينكر أن المنصب اختبارٌ أخلاقي قبل أن يكون مسؤولية وظيفية، لكن المؤلم أن بعضكم – بعد تعيينه في مجلسكم – ظنّ أن هذا التكليف تشريف، وأن هذا اللقب حصانة، وأن الناس خُلقوا ليصفقوا له لا ليحاسبوه.

منكم من كان متواضعا، بسيطا، يكلّم الجميع بلا تكلّف، ثم ما إن جلس على كرسي مجلسكم حتى تغيّر صوته ونبرته ونظرته، وأصبح لا يرى إلا من هم “فوقه”، ولا يسمع إلا من هم “حولَه”، أما من هم “تحته” فهم مجرد جمهور يستخدمه وقت الحاجة.

بعضكم صار نجما إعلاميا أكثر من كونه عضوا فاعلا في مجلسكم، يلاحق الكاميرات أكثر مما يلاحق القضايا الوطنيّة، ويثرثر في القنوات، ويتحدث عن كل شيء، ولا يفعل شيئا، وحوّل المنبر للمظاهر لا ميدانا للمسؤولية.

ولستُ ممّن يتّهمون الناس جزافا، لكن الحق يُقال: كم من عضو دخل مجلسكم وهو بالكاد يمتلك بيتا، وخرج بعد سنوات بأملاك واستثمارات لا تُعدّ ولا تُحصى؟

هل هي صدفة؟ أم ذكاء؟ أم هو منطق الفرص التي لا تتكرّر إلا للأذكياء الذين يعرفون من أين تُؤكل الكتف؟

الوطن ليس صفقة، ومجلسكم ليس سوقا للمنافع. من أراد الثراء فليذهب إلى التجارة، أما من أراد شرف خدمة الوطن والمواطن فليكن خادمًا لهما بحق، لا مستغلا ولا متعاليا على شعبه، بل قريبا من الناس، يشاهد معاناتهم بعينيه وينقلها إلى مجلسكم كما هي، ولا يُسكّن آلامهم بكلماتٍ رنّانة أو شعاراتٍ جوفاء، ويغيّر الواقع، ولا يتحوّل إلى ممثّل يطارد التصفيق والكاميرات.

نريد أعضاء يعيشون بين الناس، لا خلف أسوار قصورهم وفللهم العالية. نريد من يمشي في أسواقنا بلا حراسة ولا حاشية، ويجلس في مقاهينا بلا تكلّف ولا بهرجة، ويقود سيارته بنفسه في كل مكان. ما قيمة عضو في مجلسكم لا يعرف أسعار السلع في أسواقنا؟ ولا يعرف معاناة من ينتظرون مواعيدهم في مستشفياتنا منذ أشهر؟ ولا يعرف ما هي احتياجات مستحقي الضمان؟

نريد أعضاء يعرفون واقعنا تماما ويعملون على تغييره، لا أن يظلوا بعيدين عن مشاكلنا، يتحدثون عنها من أبراجهم العالية وكأنها قصص لا تخصهم، بينما الوطن يحتاج إلى من يعيش همَّه، لا من يتأمل معاناته من بعيد، أو كأنه ينظر إليها من السماء إلى الأرض.

المجلس لمن يعرف ويحس ويعمل، لا لمن يتفرج ويترك الناس يغرقون في مشاكلهم بلا أفعال ولا قرارات حقيقية.

التاريخ لا يذكر الأسماء الكثيرة، بل الأفعال القليلة. اسألوا أنفسكم: ما الذي سيقال عنكم بعد عشر سنوات؟هل سيقال: كنتم في مجلسكم، وحين احتاجكم الناس لم تسمعوا أصواتهم؟ أم سيقال: تركتم بصمة غيّرت واقعهم، ورفعت شأنهم، وعدّلت قرارات لم تخدم مصالحهم؟

فهل كثيرٌ أن نطلب منكم أن تكونوا قريبين منا؟ أن تسمعونا، وأن ترونا بأعينكم، لا بتقاريركم المصقولة التي تُنقَّى من الحقيقة كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدنس؟ أم ستستمرون في الانعزال خلف كراسيكم، متوارين عن مسؤولياتكم، لا تسمعون صرخاتنا واحتياجاتنا اليومية؟ فهل يمكن أن تكونوا قريبين منا حقا، تشاركونا همومنا وتعملون لتغيير واقعنا؟ أم نقول: السلام عليكم وعلى مجلسكم ورحمة الله؟

الناس لم تعد تصدّق كلماتكم الجميلة، بل تنتظر أفعالكم. لقد ملّوا من بياناتكم الرنانة ومقاطعكم المكررة، وملّوا من جمل: “سندرس” و”سنعيد النظر”. يريدون أثرا لا أعذارا، وقرارات لا وعودا، يريدون واقعا يتغيّر، لا اجتماعات تُعقد وتنفضّ بلا نتيجة. يريدون من يسمعهم بضمير حيّ، لا من يجمّل الحقائق في تقارير منمّقة. الناس لا يطلبون منكم المستحيل، بل يطلبون أن تكونوا على قدر القسم الذي أديتموه، أمناء على همومهم، صادقين في خدمتِهم، وأوفياء للوطن الذي منحكم الثقة.

لا نريد منكم أن تنافقوا أحدا، لا وزيرا ولا أميرا، ولا مسؤولا، ولا حتى الرأي العام. كونوا صادقين مع أنفسكم أولا، ومع ضمائركم ثانيا، فأنتم في موضع أمانة، والأمانة لا تتجزأ وتبرّت منها الجبال، ومن التزم بالصدق والشفافية، سيجد احترام الناس وتقديرهم، وسيظل اسمه مرتبطا بالوفاء لخدمة وطنه ودينه ومليكه، ومن حاد عن الصدق والصواب والشفافية والحق، فلن يجد احترام الناس، ولن يخلد اسمه إلا في صفحات النسيان، وستظل أقواله شاهدة على تقصيره في أداء الأمانة التي أُوكلت إليه.

الكرسي لا يخلّد أحدا، وما سيبقى منكم ليس صوركم بل أثركم، وما سيحفظه الناس ليس كلماتكم بل مواقفكم.

من جلس في مجلسكم فصمت خوفا أو مجاملة، فقد خان أمانته. ومن استخدم موقعه لرفع شأنه لا شأن وطنه، فقد أساء لوطنه قبل أن يسيء لنفسه. ومن ظن أن المنصب غنيمة، فليعلم أن الغنيمة الحقيقية هي أن يخرج من مجلسكم نظيفَ اليد والضمير، مرفوعَ الرأس، راضيا عن نفسه، مطمئنا إلى أنه أدّى الأمانة على الوجه الذي يليق بضميره ووطنه وشعبه، وسيبقى اسمه شاهدا على إخلاصه، ومن تهاون فلن تنفعه المناصب ولا الألقاب حين يُسأل أمام الله والوطن والتاريخ.

إننا في مرحلة حساسة، ووطننا يسير بخطى سريعة نحو المستقبل، ومشاريع رؤيتنا تفتح الأبواب بلا تردد، لكننا لا نريد نهضة بلا عدالة، ولا عدالة بلا رقابة، ولا رقابة بلا صوت صادق من الداخل ينقل الحقيقة.

مجلسكم هو العقل المفكّر للدولة، فإن صمت هذا العقل أو خضع أو تزيّن بالدبلوماسية، فمن سيقول لها الحقيقة؟ ومن سيكشف لها الغبن والظلم والمعاناة؟ ومن سيقف ضد الفساد والتقصير؟ ومن سيحمي حقوق المواطنين الضعفاء والمهمّشين؟ ومن سيحاسب المسؤول الذي يتجاهل عمدا واجبه تجاه المواطنين؟ أم ستظل الحقيقة صامتة، محجوبة خلف عباراتٍ جميلةٍ وخطب رنّانة، بينما يزداد الظلم والفساد والغبن يوما بعد يوم؟ ومن سيقف أمام من يعبث بمصالح الناس ويستغلّ منصبه لأغراضه الشخصية؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجلسكم هو فقدان الناس ثقتهم فيكم، لأن فقدان الثقة لا يُرمّم ببيان رسمي ولا بمؤتمر صحفي، بل يُرمّم بالمواقف الحقيقية النبيلة. فحين يشعر المواطن أن صوته لا يُسمع، سيبحث له عن منبر آخر يسمعه، وقد يلجأ حتى إلى الارتماء في أحضان الشيطان. وحين يرى أن مجلسكم تحوّل إلى ديكور بلا قيمة، سيكون الوطن أول الخاسرين. ولهذا، حان الوقت لتكونوا على قدر المسؤولية، وأن تعكس أعمالكم التزامكم بخدمة الوطن والمواطنين بكل أمانة وشفافية.

الناس اليوم أوعى من أي وقتٍ مضى، تتابع، تُحلّل، وتحاسب، ولم يعد زمن الشعارات ينطلي على أحد. كل مقطع، وكل تصويت، وكل كلمة تُقال تحت قبتكم تُرصد وتُحفظ، وسيأتي اليوم الذي تُسألون فيه عنها أمام الله والتاريخ، وسيُكتب في صفحات التاريخ مدى أمانتكم وإخلاصكم لخدمة الوطن والمواطنين.

لا أحد فوق المساءلة، لا وزير، ولا عضو، ولا أمير. الوطن أكبر من الجميع، ومن ظن أنه محصّن فليتذكر أن المناصب زائلة، وأن الأمانة باقية، وأن التاريخ سيذكر من خدم وطنه بصدق، ومن أساء إلى أمانته أو أهمل واجبه، ولن يفلت أحد من مساءلة ضميره ومن الضعفاء الذين خانوا ثقتهم.

فكونوا كما أرادكم وليّ الأمر: عينا تراقب، ولسانا يعبّر، وضميرا يحاسب، ولا تخافوا في الحق لومة لائم، فأنتم من اختيرتم لتكونوا صمّام الأمان بين الدولة والمجتمع. فإن خذلتم الناس، فمن يحميهم بعدكم؟ ومن يرفع صوتهم عند الحاكم؟ ومن يطالب بتحسين أوضاع المواطنين؟

تاريخ الأمم لا يُكتب بأسماء المصفّقين، بل يُكتب بأسماء الذين قالوا “لا” في وجه الخطأ، والذين وضعوا مصالح الوطن فوق مصالح الجميع.

لا تُضيّعوا ما بقي من هيبة مجلسكم، ولا تجعلوه حكاية تُروى في مجالس الناس بسخرية. أعيدوا له هيبته ومكانته، وأعيدوا لأنفسكم احترام الناس وثقتهم، وتذكّروا دائما أنكم حين تجلسون تحت قبة مجلسكم، كل مواطن يجلس في قلوبكم وأعينكم، وأن الكراسي التي تجلسون عليها اليوم، إن لم تحفظوها بالعدل والمساواة، ستذكّركم غدا بأن الكراسي لا تدوم، وأن الشرف وحده هو الذي يبقى، واذكروا دائما أن القيم والمبادئ التي تحكم أعمالكم هي ما يبقى في ذاكرة الناس، وليس المناصب أو الألقاب التي تزول.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫2 تعليقات

  1. قال تعالى :
    ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ التوبة الايه 105
    ماشاءالله،
    في الصميم للصالح العام..
    الأمانة أمرها عظيم ..
    ومجالس الشورى في الدول لسان الشعب وعين الحاكم
    والتاريخ لايرحم..نفع الله بقلمك السيال كاتبنا المثقف ،ابوسلطان
    ووفق كل مخلصاً لدينه وأمانته .
    أخوكم اللواء م /
    حزام بن سعيد ال فاهدهـ

    1. جزيل الشكر والتقدير لسعادة اللواء حزام آل فاهده على كلماتكم الطيبة وتشجيعكم الكريم.
      حقًا، الأمانة عظيمة، ومن يجلس على مقعد المسؤولية ليخدم المواطن ويصون مصالح الوطن، يحمل حملا كبيرا لا يُستهان به.
      أسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه خير الدين والوطن، وأن يجعل أقلامنا خادمة للحق والضمير.
      أخوكم
      محمد الفريدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى