النظام الإيراني … حين يتحول الغموض إلى سياسة .
النظام الإيراني … حين يتحول الغموض إلى سياسة .
كتبه؛ اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
الأحد (29) مارس (2026).
(اليوم الثلاثون للحرب).
نشرت صحيفة The Sunday Times البريطانية في عددها الصادر هذا اليوم الأحد (29) مارس (2026) مقالا بقلم الكاتب Mark Urban تناول فيه سؤالا محوريا: أين تخفي إيران مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل الاستقرار الإقليمي.
يشير الكاتب إلى أن إيران تملك نحو (440) كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة (60) في المئة، وهي كمية تضعها على مقربة مباشرة من إنتاج مواد انشطارية تكفي نظريا لصنع نحو (10) قنابل نووية إذا رفعت مستوى التخصيب إلى حدود (90) في المئة. ولا تكمن أهمية هذا الرقم في حجمه فقط، بل في طبيعة تخزينه وإمكانية توزيعه داخل العمق الإيراني في مواقع محصنة أو متنقلة، بما يجعل تعقبه أو السيطرة عليه أمرا شديد التعقيد.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما أعلنته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث أوضحت تقاريرها المعلنة أن إيران رفعت مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة (60) في المئة إلى نحو (408.6) كيلوغرام حتى (17) مايو (2025)، ضمن إجمالي مخزون يتجاوز (9247.6) كيلوغراما بمختلف مستويات التخصيب. وتعكس هذه الأرقام توجها لا يعرف أنه ينسجم مع الإستخدامات المدنية التقليدية، بل يقترب تقنيا من العتبة المرتبطة بالاستخدام العسكري، مع تقليص واضح في الزمن اللازم للإنتقال إلى مستويات أعلى.
ويطرح المقال تساؤلا منطقيا: إذا أعلنت بعض الجهات الاستخباراتية معرفتها بمواقع هذا المخزون، فلماذا لا يجري التعامل معه بشكل مباشر. ويقود ذلك إلى نتيجة واضحة مفادها أن المعرفة لا تعني القدرة، وأن العمق الجغرافي والتحصين وتعدد المواقع تجعل أي محاولة للسيطرة على هذه المواد عالية المخاطر وغير مضمونة النتائج.
ولا يقف التحليل عند الجانب التقني، بل يمتد إلى السلوك السياسي للنظام الإيراني، حيث يظهر نهج متكرر يقوم على إدارة هذا الملف ضمن مساحة من الغموض المقصود. فطهران تعلن الطابع السلمي لبرنامجها، لكنها تواصل رفع مستويات التخصيب وتحد من فاعلية أدوات الرقابة الدولية، وهو ما يخلق فجوة لا يمكن تجاهلها بين الخطاب والممارسة، وبصورة لا يعرف أنها تنسجم مع أي برنامج نووي مدني معروف.
وفي هذا السياق، يتضح أن ما يعرف بمبدأ الإنكار الموثوق (Plausible Deniability) لا يمثل مجرد أداة دفاعية، بل يشكل جزءا من بنية السلوك السياسي ذاته، حيث تحقق إيران أهدافها الاستراتيجية عبر مسارات غير مباشرة، مع الاحتفاظ بهامش إنكار مسؤوليتها، بما يمنحها قدرة مستمرة على المناورة وتقليل كلفة الضغوط الدولية.
ويؤكد Rafael Grossi، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن تدمير بعض المنشآت لا يعني إنهاء البرنامج، إذ تظل المعرفة التقنية قائمة، وتبقى القدرة على إعادة البناء متاحة خلال فترة زمنية محدودة، وهو ما يعزز القلق الدولي من أن أي إجراء عسكري قد يؤخر البرنامج لكنه لا ينهيه.
وهنا تتضح نقطة الحسم: امتلاك القدرة الكامنة لا يصنع الخطر بحد ذاته، بل القرار الذي يفعلها ويحدد توقيتها.
وخلاصة القول أن ما يجري اليوم لا يمكن تفسيره على أنه برنامج مدني خرج عن مساره، بل هو توجه محسوب يحتفظ بخيار التحول إلى قدرة نووية كامنة عند الحاجة. وهذه ليست مسألة تقنية بقدر ما هي قرار سياسي، تتجاوز تداعياته حدود إيران لتطال استقرار الإقليم بأكمله.
القدرة بلا إعلان لا تصنع سلاما، بل تؤجل التهديد، وحين يصبح الإنكار سياسة تتحول الحقيقة إلى أول ضحايا الصراع .
كاتب رأي
