المياه في معادلة الصراع… من الهشاشة الإستراتيجية إلى الضغط غير المباشر .
المياه في معادلة الصراع… من الهشاشة الإستراتيجية إلى الضغط غير المباشر .
كتبه؛ اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي.
الثلاثاء (24) مارس 2026م.
(اليوم الخامس والعشرون للحرب).
المقدمة.
تشير القراءة الإستراتيجية الحديثة إلى أن الصراع في الشرق الأوسط لا يتجه بالضرورة إلى حرب تقليدية عنوانها الماء… بقدر ما يتجه إلى إدخال الموارد الحيوية ضمن معادلات الضغط والتأثير. وفي هذا السياق يبرز الماء بوصفه عنصر هشاشة إستراتيجية يمكن التلويح به أو التأثير عليه أو تهديد بنيته التحتية، دون أن يصبح حتى الآن هدفا رئيسيا لحرب مستقلة.
1 ـ طبيعة التحول الجاري.
أ ـ لم يعد الماء مجرد مورد خدمي أو ملف تنموي… بل أصبح جزءا من بنية الأمن الوطني الشامل.
ب ـ التحول الجاري لا يشير إلى حرب مياه ( صريحة )… بل إلى توسيع بنك الأهداف المحتملة ليشمل البنى الحيوية ذات الأثر المباشر على إستقرار المجتمعات.
ج ـ هذا التوسع يعكس انتقالا تدريجيا من إستهداف القوة العسكرية الصلبة إلى التأثير على بيئة الصمود المدني والقدرة على الإحتمال والإستمرار.
2 ـ موقع الماء في ديناميكيات الصراع.
أ ـ الماء ليس حتى الآن سلاحا رئيسيا في الصراع… لكنه أصبح ورقة ضغط كامنة ذات أثر بالغ الحساسية.
ب ـ تهديد منشآت التحلية أو شبكات الإمداد أو الخزانات الإستراتيجية يحقق ضغطا سياسيا ونفسيا وإنسانيا واسعا دون الحاجة إلى مواجهة برية مباشرة.
ج ـ في البيئات المعتمدة على التحلية، يتحول الماء من مورد خدمي إلى مركز ثقل حياتي شديد القابلية للتأثر.
3 ـ التقدير الأدق للمرحلة الراهنة.
أ ـ لم ندخل بعد مرحلة توظيف الماء كأداة ضغط كاملة، لكن إدخاله ضمن بنك الأهداف المحتمل يمثل تحولا نوعيا في بنية الصراع الحديثة.
ب ـ ما نشهده أقرب إلى مرحلة اختبار الحدود، أي إدخال المياه ضمن نطاق التهديد أو الاحتمال العملياتي دون الإنتقال إلى إستهداف واسع ومنهجي.
ج ـ السبب في ذلك أن ضرب منظومات المياه على نطاق كبير يترتب عليه ثمن سياسي وإنساني ودولي مرتفع، وقد يدفع الصراع إلى مستوى تصعيد أشد خطورة.
4 ـ لماذا يعد الماء عتبة تصعيد متأخرة.
أ ـ لأن استهدافه لا يضغط على القوات فقط… بل يضغط مباشرة على السكان واستقرار المدن والخدمات العامة.
ب ـ ولأن تأثيره التراكمي أسرع في زعزعة الحياة اليومية من كثير من الضربات العسكرية التقليدية.
ج ـ لذلك يعد الماء خطا أحمر متأخرا في التصعيد، وليس خيارا أوليا في إدارة الصراع.
5 ـ السيناريو المرجح مستقبلا.
أ ـ الأرجح أن يستمر الماء ضمن إطار الضغط غير المباشر لا ضمن حرب معلنة عليه.
ب ـ قد يستخدم التهديد به أو تعطيل بعض مكوناته المحدودة لرفع الكلفة على الخصم وإرباك بيئته الداخلية.
ج ـ أما الانتقال إلى إستهداف واسع للبنية المائية فسيعني أن الصراع تجاوز حدود الضغط المحسوب، ودخل طورا أعلى يستهدف تماسك المجتمعات واستمرارية عملها، لا مجرد تعديل السلوك السياسي أو العسكري، بما ينعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي وديناميكيات اتخاذ القرار .
6 ـ القراءة الإستراتيجية الأوسع.
أ ـ المستقبل لا يتجه غالبا إلى حرب على الماء بصيغتها المباشرة.
ب ـ بل يتجه إلى توظيف الموارد الحيوية ضمن حروب مركبة تشمل الماء والطاقة والملاحة والغذاء.
ج ـ وهذا النمط أخطر من الحرب التقليدية، لأنه يعمل على كسر الإرادة العامة من خلال ضرب مقومات الحياة اليومية بأدوات منخفضة الظهور عالية التأثير.
الخلاصة.
الماء دخل معادلة الصراع في الشرق الأوسط… لكن ليس بصفته سبب الحرب، ولا هدفها المركزي حتى الآن.
والتقدير الأرجح أن يبقى وسيلة ضغط غير مباشر ضمن هندسة الضغط الإستراتيجي، مع بقاء استهدافه الواسع عتبة تصعيد متأخرة ذات كلفة عالية.
وعليه… فإن الأخطر في المرحلة القادمة ليس اندلاع حرب معلنة، بل تحويل الموارد الحيوية إلى أداة ضغط صامتة تستخدم عند اشتداد الصراع وارتفاع الحاجة إلى كسر الصمود دون خوض مواجهة شاملة.
و أعظم انتصار هو أن تهزم خصمك دون أن تدخل معه معركة .
كاتب رأي

