كُتاب الرأي

(اللّعنة التي حلّت على بيروت)

(اللّعنة التي حلّت على بيروت)

محد سعد الربيعي

منذ ما يزيد على خمسةٍ وأربعين عامًا، كان يُطلق على بيروت سويسرا الشرق الأوسط، وهي بالفعل كانت كذلك، وكانت المركز الرئيسي لدول الشرق الأوسط، ومركزها الاقتصادي والمالي، بل أيضًا السياسي، حيث كان في لبنان هاماتٌ وقاماتٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ كبيرة، سواء كانت مسلمةً أم مسيحيةً، استفادت منها ومن رؤيتها الدول العربية في مختلف المواقع والمؤسسات الدولية، حيث كانت بيروت تنبض بالعلم الذي كان يجوبها العرب من مختلف دوله وأقطاره.

ما حدث بعد طرد شاه إيران من طهران، ومجيء المقبور الخميني للسلطة في إيران، وقلب النظام الملكي لإيران، والإتيان بكل القادة المجوس أعداء الدين والأوطان، وتسنّمهم للقيادة في هذه الدولة التي كانت تُعد من أغنى دول العالم تحت قيادة الخميني، وتدثّرهم بالعمائم السود التي سوّدت بالتالي كل شيء في إيران وأعين مواطنيها، الذين نُصبت لهم المشانق في كل شوارع وساحات مدن إيران، حتى إن بعض المعلومات أشارت بأن الرئيس الإيراني السابق / إبراهيم رئيسي، الذي لقي حتفه باصطدام طائرته بأحد الجبال عند عودته من زيارة قصيرة لدولة أذربيجان التي تعاني من هذا النظام الإيراني الحالي، تقول المعلومات إن رئيسي، الذي كان يعمل مدعيًا عامًا في حياة المقبور الخميني، أعدم أكثر من أربعمائة ألف شخص كانوا معارضين لنظام الآيات الإيراني.

والحديث يطول عن هذا النظام الإرهابي الذي سبق أن كتبت عنه في صحيفتنا هذه العديد من المقالات التي تؤكد إرهابه وتدميره للسلم الدولي في العالم، ولكي لا أذهب بعيدًا في التشخيص لحالة لبنان الآن وما تعانيه هذه الدولة العربية الصغيرة التي وقعت بين فكي كماشة حزب الشيطان ورعاية ودعم إيران له، وبين إسرائيل التي جعلت هذا الحزب شماعةً في أذية لبنان وتدميره من جميع الجوانب، سواء كانت سياسيةً أو اقتصاديةً أو غيرها، ومن هنا بدأت اللعنة الإيرانية بمكونها الشيعي في تدمير لبنان وتجهيل شعبه الذي، كما أسلفت، كان وجهةً حضاريةً في العالم.

بدأت معاناة لبنان بعد أن قامت إيران بقيادة الهالك الخميني بالدعاية الكاذبة من خلال إظهار اهتمامها بالإسلام عندما قامت بتسمية نفسها بالجمهورية الإسلامية، وتبنّت خداع العالم بنشر التشيّع في العالم وحمايته من خلال ما أسمته تصدير الثورة الإسلامية، واستغلت ذلك استغلالًا بشعًا من خلال سفاراتها في العالم وملحقياتها الثقافية التي كانت تتولى التدخل في شؤون الدول وشراء ضمائر الناس وإغراقهم بالمال، وإقناعهم بزيارات قم من أجل تغيير مذهبهم السني إلى الشيعي الذي ترعاه إيران وتزعم حمايته.

استطاعت إيران، كما أشرت، من خلال تبنّيها تصدير ثورتها للعالم، البدء بلبنان التي كانت تعاني ضعفًا بنيويًا اجتماعيًا بعد الحرب الأهلية التي ألمّت بها في منتصف السبعينات الميلادية، ودعمت في بداية الأمر المكون الشيعي في لبنان الذي كانت حركة أمل تمثّله وتمثّل الواجهة السياسية له في الحكومة اللبنانية، وعندئذٍ بدأت جوانب اللعنة الإيرانية تتخلّق بوجه عام.

بعد ذلك قامت إيران بإيجاد خلاف شيعي–شيعي داخل حركة أمل، انشقّت من خلاله خليةٌ صغيرة شجّعتها إيران ودعمتها وأطلقت يدها ضد نبيه بري وحركته (أمل)، حتى إن استقوى عود هذه الخلية التي كبرت منذ عام 1982م، وأُطلق عليها بعد ذلك حزب الله الذي كبر داخل لبنان في ظل غياب الحكومة وبقية المكونات اللبنانية من دروز ومارونيين وكاثوليك وأرثوذكس ومسلمين سنّة، حتى استطاع هذا الحزب السيطرة على الحكومة اللبنانية، والتحكّم في قراراتها السياسية للحد الذي أصبح الحزب فيه هو من يعطي الموافقة من عدمها على أي تعيين في حكومات لبنان التي أصبحت لاحقًا تُقاد من المقبور نصر اللات، الذي أرهب كل رؤساء حكومات لبنان، بل كان هو المسؤول عن اغتيال رفيق الحريري في عام 2005م في تفجير كبير بأحد شوارع بيروت، عندما اكتملت اللعنة الإيرانية على لبنان.

ما أودّ الذهاب إليه هنا في هذا المقال ما يحدث الآن من تدمير لجنوب لبنان بشكلٍ كبيرٍ وممنهجٍ من العدو الإسرائيلي، ولعل ما يُعد أحد أسبابه ضعف حكومة لبنان الحالية التي ترددت في سحب سلاح ما يُسمى بحزب الله، رغم محاولتها التي لم ترَ النور في ظل تعنّت نبيه بري، الذي يُعد أحد ذيول إيران الكبيرة في لبنان والمنطقة، عندما وقف ويقف إلى الآن في وجه حكومة نواف سلام، معطّلًا كل جهودها لإعادة الحزب لشمال الليطاني وسحب سلاحه بشكل متدرّج من الثقيل إلى المتوسط، وهكذا، إلا أن بري كان المدافع الأول عن الحزب وإيران، وبالتالي أجهض تلك المحاولات التي كانت تبدو على استحياء ورهبة من الإقدام عليها، يضاف لذلك ضعف منظومة الجيش التي لا تتمتع بأية قدرات عسكرية في مواجهة الحزب عند رفضه بما تمليه حكومة نواف.

ما يحدث الآن في لبنان من حيث سيطرة ما بقي من الحزب على لبنان رغم ضعفه (الحزب) وهلاك معظم قياداته، وكذلك رفض سفير إيران غير المرغوب فيه لبنانيًا مغادرة منصبه، وهو ما يمثل تحديًا صارخًا لنواف وحكومته التي أصبحت مكبّلة اليدين أمام بري العميل الإيراني، وكذلك أمام الجيش الضعيف، بل ربما الخائن، أمام هذه التخرصات الشيعية في لبنان.

إنه، وبعد هذه السيطرة الشيعية الإيرانية على لبنان، وبعد فتح جبهة شيعية ضد إسرائيل من بيروت لدعم إيران في حربها القائمة الآن، فالمتوقع أن تبقى حكومة نواف سلام متفرّجة على جبهة الجنوب التي ستتولى إسرائيل محاسبتها وتدميرها على رؤوس الحزب ومكونه الشيعي الداعم له.

وفي ظل كل هذه الأحداث، فإن عناصر حزب إيران لن يكتفوا بتدمير الجنوب فقط، بل سيتوارون بين مواطني بيروت، ليس فقط للاختباء عن المطاردة الإسرائيلية، بل من أجل خلط الأوراق وتدمير بيروت بشكل كامل، وعندها ستنتهي اللعبة وتكتمل اللعنة الشيعية على اللبنانيين بكل مكوناتهم التي جبُنت، للأسف، ووقفت عاجزة عن مواجهة بري وشيعته المدعومين مجوسيًا.

إذًا، وفي ظل هذا الظرف الدقيق للبنان، لا يُعتقد أن تقوم الحكومة بوقف الحرب التي زُجّت فيها من قبل حزب إيران أو التدخل فيها، كما أنه ليس من المتوقع أن تجرؤ حكومة سلام بسحب سلاح الحزب، وبالتالي هي تنتظر أن يتولى الإسرائيليون ذلك، إذ ربما تقضي على بري في نهاية هذه المأساة، وتنتهي اللعنة الإيرانية على بيروت، ويتم القضاء على نعيم قاسم المطارد حاليًا وحزبه اللعين في لبنان.

كاتب رأي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى