أقلام السحالي..

أقلام السحالي..
في صحافتنا العربية، لا تكمن الخطورة دائمًا في الخبر الكاذب، بل أحيانًا في القلم الذي يتسلل بين الصحف مثل السحلية التي تتبدّل ألوانها كلما انتقلت من جدار إلى آخر.
هناك كتّاب لا ينتمون إلى صحيفة بقدر ما ينتمون إلى مصالحهم الخاصة، يراقبون ما يُكتب هنا، ثم يحملونه خلسة إلى هناك، يعيدون صياغته قليلًا، ويستعينون بالذكاء الاصطناعي ويزرعونه في صحيفة أخرى وكأنه وُلِد من أفكارهم الخاصة؛ لا إشارة إلى المصدر، لا اعتراف بالجهد الأول، ولا احترام لأمانة الكلمة.
إنها ليست مجرد “سرقة عابرة”، بل خيانة صامتة لفكرة الصحافة نفسها. فالصحافة ليست حشد كلمات، بل ميثاق أخلاقي يقوم على النزاهة والثقة وحفظ الحقوق الفكرية. وعندما يتحول الكاتب إلى ناقل متخفٍ، فإنه لا يسرق مقالًا فقط، بل يسرق تعب العقول، ويشوّه قيمة الإبداع الحقيقي.
هؤلاء يمكن وصفهم بـ “أقلام السحالي”، لأنهم بارعون في التلوّن؛ يظهرون الولاء لكل صحيفة يعملون فيها، بينما يحملون أسرارها وأفكارها إلى مكان آخر، يقرأون الصياغة التحريرية بعين التاجر لا بعين المهني، وينظرون إلى المقالات بوصفها غنائم قابلة للنقل، لا أعمالًا لها أصحاب وحقوق.
وقد تضاعفت هذه الظاهرة مع الفضاء الرقمي؛ فاليوم يستطيع أحدهم أن يقرأ تحقيقًا صحفيًا متعبًا نُشر صباحًا، ثم يعيد صياغته مساءً في منصة أخرى، بعد أن يغيّر بعض العناوين ويستبدل الكلمات، وكأنه ابتكر الفكرة من العدم. بل إن بعضهم ينقل “روح المقال” كاملة: الفكرة، والبناء، والزوايا، وحتى التسلسل النفسي للنص، ثم يظن أن تغيير الألفاظ يكفي لإخفاء الجريمة.
كم من صحيفة نشرت ملفًا ثقافيًا متكاملًا، ثم فوجئت بعد أيام بمقال مشابه في صحيفة أخرى يحمل الروح ذاتها، لكنه بلا اعتراف ولا إحالة، وكم من كاتب شاب اجتهد في بناء مشروعه الفكري، ثم رأى أفكاره تتكرر على ألسنة آخرين أكثر نفوذًا وحضورًا.
ولعل الجاحظ أشار قديمًا إلى خطر السطو على المعاني حين قال: “المعاني مطروحة في الطريق”، لكنه لم يقصد أبدًا أن تُنهب بلا أمانة، بل أراد أن قيمة الكاتب تظهر في صدقه وأسلوبه وإضافته، لا في استحواذه على جهد غيره.
لكن لماذا يفعلون ذلك؟
بعضهم تحركه الرغبة في الظهور السريع، فيريد أن يبدو غزير الأفكار حتى لو كانت أفكاره مستعارة. وبعضهم يعيش أزمة داخلية مع الاعتراف؛ لا يستطيع إنتاج صوته الحقيقي، فيلجأ إلى أصوات الآخرين متنكرًا بثيابها. وهناك من يمارس هذا السلوك بدافع المنافسة المريضة، فيسعى إلى إضعاف صحيفة وتقوية أخرى، وكأنه يؤدي دور “الضرار الصحفي” الذي ينخر الجسد الإعلامي من الداخل.
وقد يكون الأخطر من ذلك أنهم يمارسون نوعًا من النفاق المهني؛ يبتسمون في وجه المؤسسة التي يعملون فيها، ثم يهرّبون محتواها أو أفكارها إلى منافسيها. إنهم لا يخونون صحيفة فحسب، بل يخونون الثقة التي مُنحت لهم.
وفي هذا المعنى يقول أحمد شوقي:
وإنَّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
فالصحافة التي تفقد أخلاقها، تتحول إلى سوق صاخبة للأصوات المكررة، لا إلى منبر وعي وحقيقة.
أما الحلول، فلا تبدأ من العقوبات فقط، بل من بناء ثقافة صحفية تحترم الأمانة الفكرية. فالمؤسسات الإعلامية مطالبة بوضع مواثيق تحريرية صارمة، ومتابعة دقيقة لما يُنشر باسمها، وتدريب الكتّاب على أخلاقيات النشر لا على مهارات الصياغة وحدها. لأن الصحفي الذي يتقن اللغة دون ضمير مهني، قد يتحول إلى لص أنيق أكثر منه كاتبًا حقيقيًا.
كما أن تعزيز ثقافة الاعتراف بالمصدر أمر ضروري. فالاقتباس ليس جريمة، بل الجريمة أن تُخفى يد صاحب الفكرة الأصلية، والكاتب المحترف يستطيع أن يناقش ويطوّر ويختلف، لكنه لا يسطو ثم يغيّر ترتيب الكلمات ظنًا منه أن ذلك يمحو الحقيقة.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يمكن للملكية الفكرية أن تردعهم؟ والإجابة: نعم، ولكن جزئيًا، فقوانين الملكية الفكرية قادرة على حماية النصوص والمحتوى، لكنها ما زالت أحيانًا تواجه صعوبة أمام السرقة “المتنكرة” التي تعيد صياغة الفكرة بدل نسخها حرفيًا، لذلك تحتاج الأنظمة الحديثة إلى تطوير أدوات أكثر دقة لحماية المحتوى الصحفي والفكرة الإبداعية في البيئة الرقمية.
ومع تطور التقنية، ظهرت برامج قادرة على كشف التشابهات والاقتباسات الخفية، تمامًا كما يحدث في الأبحاث الأكاديمية. ولو اعتمدت الصحف هذه الأدوات بصرامة، لانكشف كثير من محترفي التلوّن الصحفي الذين يعيشون بين المؤسسات كالسحالي المتخفية.
لكن الردع الحقيقي لا تصنعه القوانين وحدها، بل تصنعه السمعة أيضًا. فالكاتب الذي يُعرف بالتلاعب قد ينجح مؤقتًا، لكنه يفقد احترام الوسط الثقافي على المدى الطويل. لأن الموهبة قد تصنع اسمًا، لكن الأمانة وحدها هي التي تصنع تاريخًا مهنيًا محترمًا.
وقد أحسن أبو الطيب حين قال:
وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ
وإنْ كثرتْ في عينِ من لا يجرّبُ
وكذلك الأقلام؛ فكثرتها لا تعني صدقها، فبعض الأقلام يلمع بالحضور، لكنه فارغ من الوفاء للحقيقة.
إن أخطر ما تفعله “أقلام السحالي” ليس سرقة مقال هنا أو فكرة هناك، بل إنها تقتل ثقة القارئ في الصحافة نفسها. وحين يشعر القارئ أن بعض المقالات مجرد انعكاسات متكررة بوجوه مختلفة، فإنه يبدأ بالتشكيك في صدق المشهد الإعلامي كله.
ولهذا فإن الصحافة اليوم لا تحتاج فقط إلى كتّاب يجيدون التعبير، بل إلى ضمائر تعرف أن الكلمة أمانة. لأن القلم حين يفقد أخلاقه، يتحول من أداة وعي إلى أداة تمويه، ومن رسالة حقيقة إلى مجرد جلد سحلية يتبدل حسب الجدار الذي يقف عليه، فأفلام السحالي المتلونة لن تزيدها إلا خيبة ..
بقلم د. عبدالرحمن الوعلان




مقالك هذا يا دكتور عبدالرحمن مقال جريء ومشحون بالوعي المهني العالي الذي تتمتع به، وقد استطعت من خلاله أن تلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوسط الإعلامي والثقافي، وهي القضية التي تهدد مصداقية الكلمة وهيبة الصحافة.
وقد قدّمت بصراحة الفكرة بأسلوب أدبي يجمع بين النقد الأخلاقي والطرح الثقافي الرصين، فجاء مليئا بالصور البلاغية والدلالات الفكرية.
ولعل من أجمل ما قرأت لك هنا هو:
(فالصحافة ليست حشد كلمات، بل ميثاق أخلاقي يقوم على النزاهة والثقة وحفظ الحقوق الفكرية).
بهذه العبارة إختصرت لنا بارك الله فيك جوهر الرسالة الإعلامية الحقيقية؛ فالصحافة لا تُقاس فعلا بعدد المقالات ولا بزخرفة العبارات، بل بقيمة الصدق المهني الذي يحفظ للناس حقوقهم الفكرية والأدبية، والأثر الذي تتركه، كما أصبت كبد الحقيقة حين أعدت ربط الصحافة بالأخلاق، لأن الكلمة حين تنفصل عن الضمير تتحول إلى مجرد كلام بلا قيمة ولا معنى.
و أبدعت أبدعت في قولك:
(فالكاتب الذي يُعرف بالتلاعب قد ينجح مؤقتا، لكنه يفقد احترام الوسط الثقافي على المدى الطويل).
فقد وضعت بذلك لنا معيارا بالغ الأهمية؛ فالحضور الإعلامي قد يُصنع بسرعة، حتى ممن لا يعرف القراءة والكتابة في هذا الزمن، لكن التاريخ المهني لا يُبنى إلا بالنزاهة، فكم من أسماء لمع بريقها زمنا قصيرا ثم تلاشت حين انكشف ضعفها الأخلاقي والفكري، وبقيت الأقلام الصادقة حاضرة في الذاكرة الثقافية.
ومن عباراتك التي أعجبتني أيضا:
(الصحفي الذي يتقن اللغة دون ضمير مهني، قد يتحول إلى لص أنيق أكثر منه كاتبا حقيقيا).
وهي جملة بالغة القوة والدقة؛ لأنها تكشف أن البلاغة وحدها لا تكفي لصناعة الكاتب الحقيقي، فبعض الأقلام تمتلك قدرة عالية على الصياغة لكنها تفتقد الشرف المهني، فتتحول موهبتها إلى وسيلة تمويه بدل أن تكون وسيلة تنوير.
وأخيرا فقد أحسنت، لا شلت يمينك، في توظيف صورة (السحلية) بوصفها رمزا للتلوّن والانتهازية، فجاء عنوان مقالك قويا، واستطعت من خلال هذا الكائن العجيب أن ترسخ فكرتك في ذهن القارئ منذ السطر الأول وحتى خاتمته.
كما أن استحضارك لأقوال الجاحظ وأحمد شوقي وأبو الطيب المتنبي ربط مقالك بأخلاق الكلمة قديما وحديثا.
مقالك يا سيدي لا يُقرأ بوصفه نقدا لمجرد النقد، بل بوصفه دفاعا عن شرف المهنة وحقوق المبدعين، ورسالة مهمة لكل من يظن أن تغييره لبعض الكلمات كاف لسرقة جهد الآخرين.
كل التقدير والإحترام لك دكتور عبدالرحمن على هذا الطرح المميز الذي لامس شيئا في النفس ، وعلى هذا المقال الجميل الذي أعاد التذكير بأن الكلمة مسؤولية، وأن القلم النزيه يبقى أثره أطول من كل محاولات التلوّن الذي لا تتقنه إلا السحالي.
أخوكم
رئيس التحرير
أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان لرئيس التحرير الاستاذ محمد الفريدي على مروره الكريم وقراءته المتأنية لمقالي، وعلى ما تفضل به من كلمات راقية تعبّر عن تقدير حقيقي لما طُرح فيه من رؤية نقدية تجاه ظاهرة “أقلام السحالي” التي باتت تتنقل بين المواقف والمنابر وفق أهواء المصالح وتقلّبات المشهد الإعلامي.
كما أعتز كثيرًا بإشادته بالتحليل النقدي الذي تضمّنه المقال، وهو تقدير أراه وسامًا مهنيًا يحمل قيمة كبيرة؛ لأن النقد الحقيقي لا يهدف إلى الهجوم أو الإثارة، بل يسعى إلى قراءة الظواهر بوعي، وكشف التناقضات، والدفاع عن صدق الكلمة ونزاهة الطرح الإعلامي والثقافي.
لقد كان لتعقيبه الكريم أثر بالغ في نفسي، لأنه يعكس اهتمامًا بالفكر النقدي الجاد، ويؤكد أن الكلمة المسؤولة ما زالت تجد من يقرأها بعين واعية تدرك أهمية أن يكون القلم منحازًا للحقيقة لا للتلون، وللمبدأ لا للمكاسب العابرة.
وإنني إذ أقدّر هذا الدعم المعنوي، أراه حافزًا كبيرًا للاستمرار في الكتابة بصدق وشفافية، وتناول القضايا الثقافية والإعلامية بروحٍ تؤمن بأن الكلمة ليست مجرد حروف تُنشر، بل موقف ورسالة وأمانة.
فكل الشكر والتقدير لرئيس التحرير على هذا الاهتمام النبيل، وعلى دعمه للمقالات التي تحاول أن تمارس دورها النقدي بمهنية ووعي واحترام للقارئ والحقيقة.🌹🌹