كُتاب الرأي

الغنى وفلسفة الاكتفاء

الغنى وفلسفة الاكتفاء

حصة محمد الجهني 

اللهم أغنِنا عمّن أغنيتَه عنّا، بهذا الدعاء الموجز، تنفتح أبوابٌ واسعة من المعاني، وتُختزل رحلة الإنسان الطويلة في البحث عن الاكتفاء والطمأنينة. كلمات قليلة، لكنها تحمل في طياتها فلسفة حياة، ومنهج قلب، وطريق روحٍ تسعى إلى التحرر من كل قيدٍ سوى الافتقار إلى الله.

منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، وهو في سعيٍ دائم نحو الغنى ،غنى المال، وغنى المكانة، وغنى العلاقات. يركض خلف ما يظنه كفيلًا بملء فراغاته الداخلية، ويظن أن المزيد سيمنحه الطمأنينة التي يبحث عنها. لكنه – في كثيرٍ من الأحيان – يكتشف متأخرًا أن ما جمعه لم يملأ قلبه، وأن ما سعى إليه لم يحقق له السكينة التي تخيّلها. لأن الغنى الحقيقي ليس في كثرة ما نملك، بل في قلة ما نحتاج.

حين يرفع المؤمن يديه قائلًا: “اللهم أغننا عمّن أغنيت عنه”، فإنه لا يطلب مجرد سعةٍ في الرزق، بل يسأل الله أن يحرره من التعلّق بالخلق، وأن يمنحه ذلك الاكتفاء الداخلي الذي لا تهزه الظروف، ولا تنقصه تقلبات الحياة. إنه دعاء الكرامة، ودعاء العزة، ودعاء القلب الذي أدرك أن الناس – مهما بلغوا – لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فكيف يملكونه لغيرهم؟

إن التعلّق بالناس بابٌ واسع للخذلان؛ فمن علّق قلبه بمديحهم أرهقته نظراتهم، ومن ربط سعادته برضاهم أتعبه تقلبهم، ومن جعل قيمته فيما يراه الآخرون، عاش أسيرًا لموازينهم المتبدلة. أما من استغنى بالله، فقد تحرر من كل ذلك؛ فلا يرفعه مدح، ولا يكسره ذم، لأنه يعلم أن ميزانه عند الله، لا عند الناس.

وليس المقصود بهذا الاستغناء أن يعتزل الإنسان مجتمعه، أو ينقطع عن الآخرين، فالإسلام دين تواصلٍ ورحمة، يدعو إلى التكافل والتعاون. ولكن المقصود هو استغناء القلب، لا استغناء الجسد؛ أن يتعامل مع الناس بحبٍ وإحسان، دون أن يجعلهم مصدر أمانه أو سبب سعادته. فيُعطي دون منّة، ويأخذ دون ذل، ويعيش بينهم بقلبٍ حر، لا يملكه أحد.

وفي هذا الدعاء أيضًا تربية للنفس على التوكل الحقيقي؛ ذلك التوكل الذي يجمع بين الأخذ بالأسباب، واليقين بأن النتائج بيد الله وحده. فالمؤمن يعمل، ويسعى، ويجتهد، لكنه لا يعلّق قلبه بوظيفة، ولا براتب، ولا بشخص، لأنه يعلم أن الرزق بيد الله، وأن ما كُتب له سيأتيه ولو بعد حين. وهذا اليقين هو الذي يمنحه الطمأنينة في أوقات القلق، والثبات في لحظات التردد.

كم من إنسانٍ يملك الكثير، لكنه يعيش في خوفٍ دائم من الفقد، وقلقٍ مستمر من التغير! وكم من آخر لا يملك إلا القليل، لكنه يعيش في راحةٍ عجيبة، لأنه وثق بأن الله لن يضيعه. إن الفارق بين الاثنين ليس في مقدار ما يملكان، بل في طبيعة ما يسكن قلبيهما. فالقلب الذي امتلأ بالله، امتلأ غنىً، وإن خلا من الدنيا.

وحين نتأمل واقعنا المعاصر، نجد أن كثيرًا من معاناة الإنسان نابعة من هذا التعلّق المفرط بالآخرين؛ مقارنةٌ لا تنتهي، وسعيٌ محموم لإثبات الذات، وخوفٌ دائم من أن يكون أقل من غيره. كل ذلك يرهق النفس، ويستنزف الروح، ويجعل الإنسان في سباقٍ لا يعرف نهايته. بينما هذا الدعاء يعيد ترتيب الأولويات، ويذكّر الإنسان بأن قيمته ليست فيما يملك، ولا فيما يراه الناس فيه، بل فيما بينه وبين الله.

إنه دعاء يعيد للإنسان إنسانيته، ويمنحه سلامًا داخليًا عميقًا؛ فيرضى بما قسم الله له، ويسعى فيما ينفعه، ويترك ما لا يعنيه. فلا يحزن على ما فاته حزن اليائس، ولا يفرح بما أتاه فرح المغتر، لأنه يعلم أن كل شيء بقدر، وأن الله أرحم به من نفسه.

ومن أجمل ثمار هذا الاستغناء، أنه يزرع في النفس القناعة، ويُطهّرها من الحسد، ويحررها من المقارنات المؤذية. فالقانع لا ينظر إلى ما في أيدي الآخرين بعين النقص، بل يراه فضلًا من الله عليهم، كما يرى ما عنده فضلًا من الله عليه. فيعيش في سلامٍ مع نفسه، وسلامٍ مع من حوله، وسلامٍ مع الحياة كلها.

وإذا استقر هذا المعنى في القلب، تغيّرت نظرة الإنسان لكل شيء؛ للعمل، والمال، والعلاقات، وحتى للأزمات. فيرى في العمل عبادة، وفي المال وسيلة، وفي العلاقات رحمة، وفي الأزمات اختبارًا يقربه من الله. فلا يعود يبحث عن الكمال في الدنيا، بل عن الرضا، ولا يسعى إلى الامتلاك بقدر ما يسعى إلى الاتزان.

اللهم أغنِنا بك عن كل شيء، وأغنِنا عن كل من سواك، واملأ قلوبنا يقينًا بأنك خير من يُرجى، وأكرم من يُعطى، وأقرب من يُدعى. اللهم ارزقنا غنى النفس، وراحة البال، وسكينة الروح، واجعلنا ممن استغنوا بك فأغنيتهم، وتوكلوا عليك فكفيتهم، ولجؤوا إليك فآويتهم.

فإذا تحقق هذا الغنى في القلب، لم يعد الإنسان بحاجةٍ إلى أن يثبت شيئًا لأحد، ولم يعد يخشى فقدان ما في يده، لأنه وجد ما هو أعظم: وجد الله… ومن وجد الله، فماذا فقد؟ !ومن فقد الله، فماذا وجد؟!

كاتبة رأي 

 

 

حصة محمد الجهني

كاتبة رأي وقاصة وشاعرة ومشرفة أقلام ناشئة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى