العيد… من الأناقة إلى السبات

العيد… من الأناقة إلى السبات
🖋️…د. دخيل الله عيضه الحارثي
العيد في أغلب البيوت السعودية ليس مجرد مناسبة دينية واجتماعية، بل تجربة متكاملة تبدأ بأعلى درجات الأناقة وتنتهي بأعمق درجات السبات.
مع أول خيوط الصباح، يخرج الناس إلى مصليات العيد وكأنهم متجهون إلى عرض أزياء رسمي مفتوح للجميع. الثياب مكوية بعناية، العطور تسبق أصحابها بخطوتين، والغتر مصفوفة بدقة هندسية توحي بأن هناك مهندسًا معماريًا أشرف عليها، حتى الأطفال يظهرون كنسخ مصغرة من الكبار، لكن تركيزهم على العيدية، بينما الكبار يخططون للقهوة العربية الأولى.
تبدأ الصلاة في أجواء روحانية جميلة، تكبيرات تملأ المكان وصفوف منتظمة تعطيك إحساسًا بأن العالم ولو مؤقتًا، مرتب كما ينبغي؛ لكن هذا الترتيب لا يدوم طويلًا، فور التسليم يبدأ الانسحاب التكتيكي، سلامات ومصافحات سريعة من نوع “من العايدين تقبل الله” ثم يبدأ التبخر التدريجي، الإمام يستعد للخطبة، لكن الصفوف تتناقص بسرعة، ليبقى كبار السن وحدهم متمسكين بالمشهد.
ثم تبدأ رحلة زيارات العيد، أو كما يمكن تسميتها علميًا ماراثون السكر والكافيين والبروتينات الثقيلة. صحن المعمول والكليجا يرحب بك، تشكيلة الشوكولاتة تنتقل بين البيوت، وفجأة تظهر أطباق اللحم والشحم، صحن المقلقل والكبدة، الفطائر الساخنة، الفول، التميس، والخبز البلدي مع السمن والعسل، وأنواع الأكلات الشعبية لتضيف جرعة إضافية من التخمة الوطنية.
كل زيارة تقابلها قهوة عربية تُصب لك بحب ثم بإصرار لا يقبل الرفض، ومع كل فنجان تختفي مقاومة أي نظام غذائي.
تعود إلى المنزل بنفس الأناقة التي بدأت بها اليوم، لكن بطاقة منخفضة جدًا، الثوب الذي كان قبل ساعات محور إعجاب يُعلّق بعناية، وصاحبه ينهار على أقرب سرير أو كنبة وكأنه أنهى مهمة شاقة لا مجرد زيارات عائلية، هنا يدخل الجسم في وضع إيقاف الأنظمة، ليس نومًا عاديًا، بل سبات عميق من النوع الذي تنوي فيه أن تغمض عينيك نصف ساعة، وتستيقظ لتكتشف أنك غبت عن العصر والمغرب وربما نشرة الأخبار أيضًا، البيت كله يشارك في هذا الطقس، واحد على الكنبة، وآخر في غرفته، وثالث اختفى لدرجة أنك تفكر تبلغ الجهات المختصة عنه قبل أن تكتشف أنه نائم في زاوية غير متوقعة.
وبعدالغروب تعود الحياة تدريجيًا، جولة قصيرة مع قهوة أخيرة وقطعة معمول “أخيرة” التي دائمًا ما تكذب على نفسك بأنها الأخيرة.
والسيناريو لا يكتفي بيوم واحد، بل يُعاد بثه لثلاثة أيام متتالية بنفس الأبطال ونفس الحبكة مع تعديلات بسيطة، اليوم الأول حماس وأناقة وتخمة غير محسوبة، اليوم الثاني مقاومة خجولة تنتهي أمام صحن الفطائر والمقلقل، واليوم الثالث مرحلة الاعتراف الداخلي أنك فعلًا شبعت لكن لا تجرؤ على رفض آخر قطعة احترامًا للتقاليد.
وفي النهاية، بعد ثلاثة أيام من الكفاح ضد المعمول، اللحم، المقلقل، الكبدة، الفطائر، الخبز البلدي، السمن والعسل، تكتشف الحقيقة: أنت لم تكن تزور الناس، الناس كانوا يختبرون سعة معدتك.
تقف على الميزان بحذر وكأنك تدخل اختبارًا مصيريًا، تغمض عينك وتقول: “أكيد مبالغين… ما أكلت كل هذا” تفتح عينك فتدرك أن الأرقام أيضًا عايدت عليك، تحاول تمشي قليلًا لتحرق ما أكلته، لكن جسمك يرد برسالة واضحة: “هذا مشروع طويل الأمد، مو مشوار حول البيت”.
وفي لحظة صدق نادرة تعلن القرار العظيم: “بكرة دايت”… لكن بكرة في قاموس العيد كائن أسطوري يظهر بعد اختفاء آخر قطعة معمول وآخر زيارة وآخر فنجان قهوة، أي بعد فوات الأوان. فتبتسم، تستسلم، وتأخذ حبة شوكولاتة إضافية، لأن الخسارة الحقيقية ليست في السعرات، بل في أنك تقول لا في العيد.
كاتب رأي

