تغطيات

العسيري يستقرئ مهارات النظر إلى الحياة

الإيجابية كمهارة للحياة… العسيري يقرأ الإنسان من زاوية الوعي والاختيار ويقدم لقاء يستقرئ مهارات النظر إلى الحياة

الرياض – رؤى مصطفى

أقيم مساء أمس في مقهى 12 Senses Boutique Café لقاء حمل عنوان “الإيجابية.. مهارات وأسلوب حياة” قدمه المدرب ومدير التدريب والتطوير والباحث في علوم اللغة العربية الأستاذ علي العسيري، في أمسية اتخذت من الإيجابية مدخلا للتأمل في علاقة الإنسان بذاته وفي الطريقة التي ينظر بها إلى الحياة لا بوصفها سلسلة من الوقائع الجامدة بل باعتبارها مساحة مفتوحة للتفسير والفهم وإعادة القراءة.

وجاء اللقاء في سياق يتصل بالموضوعات التي تمس الوعي الفردي وجودة الحياة حيث لم تطرح الإيجابية باعتبارها عبارة جاهزة أو خطابا تحفيزيا عابرا بل بوصفها مهارة عقلية ونفسية، يمكن أن تسهم في تهذيب الاستجابة للمواقف، وتمنح الإنسان قدرة أكبر على الاتزان في مواجهة التفاصيل اليومية، بما تحمله من ضغوط وتحديات وتقلبات.

وانطلق العسيري في حديثه من تفكيك المفهوم الشائع للإيجابية مميزا بين صورتها السطحية التي قد تختزل أحيانا في التفاؤل المجرد أو في تجاهل الصعوبات، وبين معناها الأعمق الذي يقوم على الوعي بالموقف، وفهم أبعاده، ثم اختيار الطريقة الأنسب للنظر إليه والتعامل معه. وتوقف عند التعريف الصحيح للإيجابية بوصفها أسلوبا في التفكير وموقفا داخليا يعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان وما يمر به بحيث لا يكون أسير الانفعال الأول، ولا رهينة القراءة الأحادية للأشياء.

وتناول اللقاء عددا من الخطوات التي تعين على اكتساب الإيجابية وإتقانها مبينا أن هذه المهارة لا تولد مكتملة، بل تنمو بالتدريب والمراجعة والانتباه إلى أنماط التفكير المعتادة، وإلى اللغة التي يخاطب بها الإنسان نفسه في لحظات التوتر أو الإحباط أو التردد. ومن هنا بدت الإيجابية في طرح اللقاء أقرب إلى تمرين داخلي مستمر، يربي النفس على التوازن، ويدفعها إلى البحث عن المعنى الممكن وسط الارتباك وعن مساحة الضوء وسط ما يبدو معتما أو مغلقا.

ومن أبرز ما توقف عنده العسيري مهارة إعادة التأطير، وهي المهارة التي تتيح للإنسان أن يعيد النظر في الموقف من زاوية أخرى، وأن يتحرر من القراءة الأولى التي قد تكون قاسية أو نهائية أو غير عادلة. فالموقف الواحد، كما أشار لا يحمل دلالة واحدة بالضرورة، وإنما يتغير معناه بحسب الزاوية التي ينظر منها إليه وبحسب قدرة الإنسان على مراجعة أحكامه الأولية، ومنح نفسه فرصة أوسع للفهم قبل الاستسلام للضيق أو التسرع في إصدار النتائج.

كما تناول اللقاء مهارة عين النحلة بوصفها صورة ذهنية تشير إلى القدرة على التقاط الجوانب الجيدة والمضيئة وسط المشهد، دون إنكار ما فيه من صعوبة فالنحلة في هذا المعنى لا تنشغل بما يحيط بها من شوائب بقدر ما تذهب مباشرة إلى موضع الرحيق، وهكذا الإنسان حين يدرب وعيه على البحث عما يمكن البناء عليه، وعما يستحق الالتفات، وعما يمنحه قدرة أكبر على الاستمرار. وهذه المهارة، كما بدا في سياق الطرح، لا تعني تزييف الواقع، بل تعني حسن الانتقاء في النظر، والقدرة على عدم الارتهان الكامل للعناصر السلبية في كل تجربة.

وتوقف العسيري أيضا عند التفاؤل بوصفه طاقة داخلية لا تنفصل عن الوعي، ولا تقوم على الوهم، بل على الثقة بإمكان التحسن، وعلى استبصار الممكن حتى حين تضيق اللحظة. فالتفاؤل في هذا السياق ليس تجاهلا لما يحدث، بل قدرة على ألا يتحول العابر إلى مصير، وألا تصبح الأزمة تعريفا نهائيا للحياة. ومن هنا يغدو التفاؤل شكلا من أشكال المقاومة الهادئة لثقل الواقع، وانحيازا داخليا لما يمكن إصلاحه وتجاوزه، لا هروبا من الحقيقة ولا إنكارا لها.

وبدا اللقاء في جوهره أقرب إلى مساءلة لفكرة الإيجابية نفسها، وإعادة تحريرها من الاستخدامات الاستهلاكية التي أفرغتها أحيانا من معناها العميق. فلم تقدم الإيجابية على أنها دعوة إلى الابتسام الدائم أو تجاهل الألم، وإنما باعتبارها شكلا من أشكال النضج في التعامل مع الحياة، ومهارة في ضبط زاوية النظر، وإدارة الاستجابة، واختيار الموقف الداخلي الأكثر اتزانا وإنصافا.

وفي هذا المعنى، أعاد اللقاء الاعتبار إلى الفكرة بوصفها سلوكا يوميا يتجلى في التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبرى؛ في طريقة استقبال الخبر، وفي أسلوب قراءة التعثر، وفي الكيفية التي يفسر بها الإنسان ما يمر به، وما إذا كان سيترك اللحظة تقوده إلى الاستسلام، أم سيعيد ترتيبها داخل وعيه بما يمنحه قدرة أكبر على الفهم والاحتمال والمضي.

ولعل ما منح اللقاء بعده الأعمق هو أنه لم يفصل بين الإيجابية والحياة الواقعية، بل ربط بينهما على نحو يجعل من هذه المهارة أداة عملية في التعامل مع الذات والآخرين، وفي تخفيف التوتر، وتعزيز التوازن النفسي، وخلق مسافة واعية بين الإنسان وانفعاله، بما يتيح له أن يرى بوضوح أكبر، وأن يتصرف بقدر أعلى من الرشد والهدوء.

ويأتي هذا اللقاء ضمن الأنشطة التي تحتفي بالموضوعات المتصلة بجودة الحياة وتنمية الوعي الفردي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استعادة المعاني التي تعين الإنسان على الاتزان الداخلي، وتجعله أكثر قدرة على إدارة ضغوطه اليومية، وتحويل الفكرة إلى ممارسة، والوعي إلى أسلوب عيش.

وبذلك لم يكن اللقاء مجرد حديث عن الإيجابية، بل محاولة لردها إلى موضعها الصحيح: وعيا يرى، ومهارة تتشكل، وخيارا داخليا لا يلغي صعوبة الحياة، لكنه يمنح الإنسان قدرة أجمل على عبورها.

 

 

 

رؤى مصطفي

كاتبة رأي ومستشارة إعلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى