كُتاب الرأي

الصحافة… خط الدفاع الأول عن الأوطان

الصحافة… خط الدفاع الأول عن الأوطان

في زمن تتزاحم فيه الأصوات وتتسابق فيه الروايات، تبرز الصحافة كجبهة لا تقل أهمية عن ساحات القتال فالكاتب الصحفي ليس مجرد ناقل للأخبار أو محلل للأحداث، بل هو جندي يحمل سلاح الكلمة، ويقف في مواجهة الدعايات المضللة والحملات المغرضة الكلمة الصادقة تصبح درعاً يحمي الوطن، وصوتاً يرسخ الثقة، وصورة ناطقة تعكس قوة المجتمع ووحدته.

لقد تغيّر مفهوم الحرب في عصرنا فالمعارك لم تعد محصورة في الميدان العسكري، بل امتدت إلى الإعلام والمنصات الرقمية حيث تُخاض معارك من نوع آخر معارك التأثير على العقول والقلوب هنا، يتحول الكاتب الصحفي إلى خط الدفاع الأول، لأنه الأقدر على فضح الأكاذيب، وإعادة صياغة الحقيقة بلغة يفهمها الناس، وتقديم رواية وطنية تُسقط محاولات التشويه.

الكاتب الصحفي المخلص لا يكتب بدافع الانفعال اللحظي، بل يُحلل ويفكك الأحداث، ويعرضها في سياقها الصحيح، ليمنح القارئ وعيًا يحصنه من التضليل. هو يعرف أن كلماته قد تُبنى عليها مواقف، وقد تتحول إلى وعي جمعي، لذلك يتعامل مع قلمه باعتباره أمانة ومسؤولية. وهذه المسؤولية تتطلب شجاعة؛ فكما يواجه الجندي في الميدان الأخطار، يواجه الكاتب ضغوطاً فكرية وحملات تشويه وربما محاولات إسكات، لكنه لا يتراجع ما دام الوطن هو البوصلة.

في المملكة العربية السعودية، حيث تشهد البلاد تحولات تاريخية ضمن رؤية طموحة، يتضاعف دور الكاتب الصحفي. فالمملكة اليوم في قلب المشهد الإقليمي والدولي، وما يتحقق على أرضها من إنجازات يستدعي أقلاماً وطنية تُعرّف بها وتدافع عنها، وتكشف للرأي العام ما وراء الحملات الموجهة التي تحاول النيل من صورتها. حين يكتب الصحفي السعودي بلغة صادقة وموضوعية، فإنه لا يخدم وطنه فقط، بل يُعيد صياغة صورته أمام العالم.

الحملات الإعلامية المعادية تعتمد غالباً على نشر الشكوك وإثارة الانقسامات والكاتب الصحفي هنا يلعب الدور المضاد: فهو يغرس الثقة بدل الشك، ويزرع الأمل بدل الإحباط، ويؤكد على أن وحدة الصف الوطني أقوى من كل محاولات التشويه. إن المقال الصحفي، حين يُكتب بوعي ومسؤولية، يمكن أن يُغيّر اتجاه نقاش عام، أو يُعيد تصحيح مفهوم، أو يُعزز موقفاً وطنياً.

ومع ذلك، لا بد أن يكون الكاتب الصحفي موضوعياً ومتوازناً ، فلا ينجرف وراء العاطفة وحدها، ولا يتهاون أمام الحقائق إن ولاءه لوطنه لا يتناقض مع التزامه بالمهنية، بل يكتمل بها. فالتاريخ لا يرحم الأقلام التي خانت أو ترددت، لكنه يُخلّد الأقلام التي اختارت الصدق والانتماء.

إن الكاتب الصحفي، وهو يسطر مقالاته يوماً بعد يوم، يُسهم في بناء وعي وطني راسخ. وقد لا يسمع الناس دوي قلمه كما يسمعون دوي السلاح، لكن أثره يبقى ممتداً في العقول والقلوب فهو يحمي الهوية، ويُعزز الانتماء، ويُذكّر الأجيال بأن الكلمة في لحظة من اللحظات قد تكون أقوى من الرصاصة.

الصحافة الوطنية ليست ترفاً ولا مجرد مهنة، بل هي حصن معنوي يحمي صورة الوطن في الداخل والخارج. وحين يتسلح الكاتب بالصدق والانتماء، فإنه يصبح بالفعل خط الدفاع الأول عن الأوطان.

أ / تركي عبدالرحمن البلادي
كاتب صحفي وباحث تربوي

 

تركي عبدالرحمن البلادي

كاتب رأي وباحث تربوي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى