تغطيات

السبعينات يضيء معنى المرافقة في زمن المرض

السبعينات يضيء معنى المرافقة في زمن المرض

الرياض – رؤى مصطفى

في أمسية اتكأت على الوجع بوصفه بابًا إلى المعنى، وذهبت إلى المرض لا من زاوية المعاناة وحدها، بل من زاوية الإنسان حين يواجه هشاشته بالقوة، نظم مقهى السبعينات، ضمن مبادرة الشريك الأدبي، لقاء بعنوان “من الألم إلى الأمل حكاية مواجهة بلا أقنعة” وذلك في مقر مكتب مدينتي بحي قرطبة في العاصمة الرياض، وسط حضور حمل كثيرًا من التأثر والتفاعل الإنساني.

واستضاف اللقاء المستشار الإعلامي عزاز العزاز في حوار أداره الكاتب حمد الكنتي، حيث تناول الحديث ما شهده القطاع الصحي في المملكة من تطور نوعي، أسهم في رفع جودة الحياة، ورسخ حضور المملكة في موقع متقدم على خارطة الإنجاز الصحي، من خلال ما تحقق من منجزات بارزة، من بينها برامج فصل التوائم السيامية، وجهود مواجهة السرطان، والدور الذي تنهض به مراكز البحوث في تعزيز هذا التقدم وتوسيعه.

غير أن اللقاء لم يكن حديثًا عن الأرقام والإنجازات وحدها، بل كان أيضًا تأملًا في المعنى الإنساني للصحة، بوصفها أكثر من خدمة، وأكثر من علاج، بل بوصفها طمأنينة تمنح الإنسان قدرته على الاستمرار، وكرامة تحفظ له توازنه في أكثر اللحظات هشاشة.

وفي هذا السياق، تطرق العزاز إلى تجربته الشخصية في مرافقة المرضى، داعيًا إلى ترسيخ ما وصفه بـ “أدب زيارة المرضى”، موضحًا أن الزيارة ليست خيرًا مطلقًا في كل الأحوال، إذ إن بعض المرضى يحتاجون إلى السكينة أكثر من حاجتهم إلى الحضور، وإلى الوعي أكثر من المجاملة. وأشار إلى أن بعض الزائرين قد يثقلون على المريض من حيث لا يشعرون، سواء بالعطور القوية، أو الورود التي قد تتسبب في الحساسية، أو بالكلمات التي تبث الخوف بدل الطمأنينة، مؤكدًا أن مرافقة المريض وزيارته ليستا سلوكًا اجتماعيًا عابرًا، بل مسؤولية إنسانية تتطلب حسًا عاليًا وفهمًا عميقًا لاحتياجاته النفسية والجسدية.

وشهد اللقاء حضور محاربات انتصرن على السرطان، وأخريات ما زلن يواصلن مواجهته، حيث قدمن شهادات شخصية مؤثرة عن الألم والصبر والإصرار على الشفاء، في مشهد إنساني لامس وجدان الحضور، وكشف أن الإنسان، حتى في أكثر لحظاته انكسارًا، قادر على أن يصنع من ضعفه شكلًا آخر من القوة.

كما شهدت الأمسية مداخلة من الأستاذة بتول الفهاد، التي شفيت من السرطان مرتين، وتحدثت عن أهمية دور المرافق في دعم المريض، مستحضرة تجربتها مع ابنتها حور التي رافقتها في رحلة المرض، وقالت في عبارة اختزلت عمق التجربة الإنسانية: “في رحلتي مع أمراض السرطان بنتي صارت أمي”، وهي عبارة لم تروِ مشهدًا عابرًا، بل لخصت كيف يمكن للألم أن يعيد ترتيب الأدوار، وأن يكشف المعنى الأصفى للعطاء والمحبة.

وتضمنت الأمسية كذلك مشاركة لأخصائية في الدعم النفسي والمعنوي للمرضى، عرضت خلالها تجربة زميلتها التي عاد إليها السرطان للمرة الثالثة، في قصة أبكت الحضور، وجعلت من الصدق الإنساني لحظة مكاشفة تعلم فيها الجميع أن القوة لا تكون دائمًا في إخفاء الوجع، بل قد تكون في القدرة على إظهاره بشجاعة، وتحويله إلى معنى يساند الآخرين ويمنحهم أملاً إضافيًا في المواجهة.

كما شارك عدد من الحضور بمداخلات استعرضوا خلالها تجاربهم المختلفة في مرافقة المرضى، لتبدو الأمسية وكأنها مساحة لاستعادة الإنسان في جوهره الأول: كائنًا يتألم، ويصبر، ويتعلم من وجع غيره كيف يكون أكثر رحمة ونبلًا ووعيًا.

وفي ختام اللقاء، كرمت الطفلة مارية، وهي أصغر مريضة بالسرطان، ضيف الأمسية الأستاذ عزاز العزاز، وكذلك مقدم اللقاء، في لفتة إنسانية مؤثرة اختزلت المعنى الأعمق للأمسية، ورسخت صورة الأمل بوصفه القوة التي لا تنكسر، حتى حين يحيط بها الألم من كل جهة.

رؤى مصطفي

كاتبة رأي ومستشارة إعلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى