كُتاب الرأي
(الروح والجسد)

(الروح والجسد)
…………….
الجلوس بشكل مُريح في مكان هادئ وجيّد الإنارة ، في يديك قلم رصاص وعلى مقربة منك كتاب على طرف طاولة ، ما هي إلا بداية رحلة للإبحار في عالم الأفكار ، وما القلم الرصاص إلآ سنارة لإلتقاط الصيد الثمين..
صيدي لكم من طروف فلسفة الحياة وكتاب العبقري د. مصطفى محمود (الروح والجسد) تحدث فيه عن قيمة -الصمت-للروح والجسد وقال:
نحن نتبادل الكلمات والحروف والعبارات كوسائل للتعبير عن المعاني وكأدوات لكشف كوامن النفوس ، ونتصوَّر أن الحروف يمكن أن تقوم بذاتها كبدائل للمشاعر ، ويمكن أن تدل بصدق على ذواتنا ومكنوناتنا والحقيقة أن الحروف تحجب ولا تكشف وتضلل ولا تدلل وتشوه ولا توضح وهي أدوات التباس أكثر منها أدوات تحديد..
وضرب د.مصطفى محمود مثال عن -الحب- وأن الصمت فيه أبلغ من الكلام ، فقال:
كلما كان شعورنا حميماً وكلما كان حبنا متغلغلاً في شِغاف القلب ، مالكاً ناصية السر ، ساكناً لُب الفؤاد ، عجز اللسان وتضعضعت الكلمات وتقطعت العبارات ، هنا كل شيء هامس خافت بلا صوت وبلا صورة وبلا لفظ وبلا غرض وبلا مأرب ، فما أبلغ الصمت ! وما أقدره على التعبير..
ثم ينتقل د.مصطفى محمود لدور -الصراخ- وأثره على الروح والجسد ، يقول:
السعادة الحقَّة للروح لا يمكن أن تكون صراخاً وإنما هي حالة عميقة من حالات السكينة تقل فيها الحاجة إلى الكلام وتنعدم الرغبة في الثرثرة ، هي حالة رؤية داخلية مبهجة وإحساس بالصلح مع النفس والدنيا والله ، واقتناع عميق بالعدالة الكامنة في الوجود كله ، وقبول لجميع الآلام في رضى وابتسام..
ثم ينتقل د.مصطفى لدور -الجسد- ويقول: سر من أسرار السعادة هو انسجام الظاهر ويقصد به الجسد والباطن ويقصد به الروح في وحدة متناسقة متناغمة في حالة صلح بين الإنسان ونفسه ، وبينه وبين الناس ، وبينه وبين اللّه..
بينما يرى د.مصطفى أن الروح يجب أن تتعرض في هذه الدنيا للعذاب وتختبر -جهنم- الدنيا قبل الآخرة فيقول:
العذاب لا يتناقض مع الرحمة ، بل يكون أحيانًا هو عين الرحمة ، القلب والضمير لا يصحو إلا بالألم والعذاب والنفس لا تشفًّ وترهف إلا بالمعاناة ، والعقل لا يتعلم إلا بالعبرة ، والقدم لا تأخذ درساً إلا إذا وقعت في حفرة ، فجهنم الدنيا لا تتنافى مع العدل الإلهي إذا نظرنا للأمور كلها نظرة شاملة والحالات الفردية التي نعجز فيها عن رؤية الحكمة في العذاب والتعذيب يكون سببها جهلنا وقصورنا عن الإحاطة بها وليس أبداً ظلم الله..
بعدها انتقل د.مصطفى لعصب الحياة -الماء- وقيمته ليس للروح والجسد فقط بل لهذ الكون وسماه السائل السحري قائلاً:
يقول اللّٰه في مبدأ الخلق: -{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) (هود: ٧)
الآية تعبيراً بالمجاز عن عظمة الماء وخطره ، الحياة كلها عبارة عن محلول مائي ، الماء هو وسيط الفعل الإلهي في المخلوقات جميعها ، فعرش اللّٰه وسلطانه وقبضته تتم كلها من خلال الماء ، وهذا الكون كله مكون من الماء قال تعالى:(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيِّ}. (الأنبياء: ٣٠) إلى خلق الدواب والإنسان قال تعالى: { خَلَقَ كُلِّ دَابَّةٍ مِن مَاءٍ) (النور: ٤٥) ، قال تعالى:(خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) (الفرقان: ٥٤)..
ثم ينتقل د.مصطفى لأسرار الروح قائلاً مُتعجباً: ما أعجب تلك النفس التي في داخلنا ! ،فيها من النار:«الشهوة والجوع والغضب والحقد والحسد والغل) ، وفيها من النور:«العفو والتسامح والحلم والفهم والحنين إلى النور الأعظم الذي جاءت منه» ، وفيها من الطين:(الآلية والتكرار والجمود والرتابة والقصور الذاتي والخمول والكسل والعجز عن التغيير والتثاقل والتهابط) ، وفيها من الروحانية:«الانطلاق والحرية والشفافية والابتكار والخلق والإبداع والخيال والجمال»..
وهي لا تولد نارية ولا نورية ولا طينية ولا روحية ، وإنما تولد مجرد إمكانية قابلة للصعود أو الهبوط إلى أيٍّ من هذه المراتب..
قال تعالى عن هذه النفس:(فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(الشمس: ٨) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحُ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} ،(الانشقاق: ٦)..
بعدها انتقل د.مصطفى محمود لفكرة -الاستعباد- وأثرها على الروح والجسد فقال: من يرى أننا تركنا عبادة الاصنام اللات والعزى ومناه التي كانت في الجاهلية وأصبحنا في نور الإسلام والعلم فهذا صحيح ولكن يجهل أن هناك أصنام أخرى تستعبدنا وهي: (الشهوات الروحية والجسدية وعبادة النفس واتباع الهوى ، الشهوة المادية الاستهلاكية ، هيكل الفكرة والنظرية والمذهبية الطائفية والقبلية والسياسية والعنصرية والعصبية والعرقية) ، إنها أصنام خفيّة ظهرت لنا في عصر المادة واستعبدت الناس..
ثم يفيض د.مصطفى عن -الحب والعداوات- في العلاقات الانسانية وأثرها على الروح والجسد ويخلص إلى: أن احترام المسافة التي تحفظ لكل فردٍ مجاله الخاص وكينونته الخاصة كإنسان مستقل له الحق في أن يطوي ضلوعه على شيء بسرية ، هي قداسة الشخصية الانسانية ، الاعتدال مطلب ، لا افراط ولا تفريط..
ثم حذر د.مصطفى من -الساخطون بلا مناقشة- وهم الأكثر ضرر على الروح والجسد وقصد بهم الذين يقولون كلمة (لا) بدون وعي ، السخط والرفض والتذمُّر والاحتجاج على كل شيء أصبح موضة اليوم ، الاحتجاج على الآباء على الحكام وعلى النظام الاجتماعي وعلى الكون كله ، وأحيانًا على اللّٰه سبحانه وتعالى ، كلمة لا ، بدون تمييز بقضية وبلا قضية ، بهدف وبلا هدف ، ومثل عليهم بمجتمع الهيبيين الذين يعيشون في الشوارع بكل فوضى..
ثم يتساءل د.مصطفى ويقول:لماذا لا نخرج من همومنا الذاتية لنحمل هموم الوطن الأكبر ثم نتخطى الوطن إلى الإنسانية الكبرى ، ثم نتخطى الإنسانية إلى الطبيعة وما وراءها ، ثم إلى اللّٰه الذي جئنا من غيبه المغيب ومصيرنا أن نعود إلى غيبه المغيب؟!
وهنا يُشير إلى إعمال العقل والتأمل والسمو والتدبر بالفكر والخروج من ذاتية الروح لشيء أعمق وأكبر إلى الله سبحانه وتعالى ، فما خلق اللّٰه السماوات والأرض ليلهو ، وما خلق الإنسان سُدَّى..
قال تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْافَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: ٥٣).
إلى هُنا انتهت رحلتنا في كتاب (الروح والجسد) للدكتور مصطفى محمود وكل أمل أن يكون صيد سنارتي يُشبع جوع فكركم ، دمتم بخير..
…………….

