الحرب على إيران… بين القوة والإرادة
الحرب على إيران… بين القوة والإرادة
لم تعد الحرب الدائرة تُقرأ من زاوية من يملك القدرة الأكبر، بل من زاوية من يستطيع تحمّل تبعات الاستمرار. فالمشهد لم يعد اختبارًا للتفوق العسكري بقدر ما أصبح اختبارًا للقدرة على الصمود تحت الضغط المركب.
في هذا السياق، يتحرك الطرف الأمريكي الإسرائيلي وفق منطق يقوم على تكثيف الضغط خلال زمن قصير، بهدف إحداث خلخلة سريعة في توازن الخصم. غير أن هذا النهج يواجه معضلة معروفة، وهي أن التأثير السريع لا يتحول دائمًا إلى نتيجة مستقرة، خاصة في بيئة معقدة ومتشابكة.
في المقابل، يعتمد النظام الإيراني على مقاربة مختلفة، لا تقوم على مجاراة القوة بالقوة، بل على إعادة توزيع كلفة المواجهة بشكل تراكمي. هذه المقاربة لا تبحث عن كسب المعركة في لحظة، بل تسعى إلى تحويلها إلى مسار ممتد يعيد تشكيل الضغط تدريجيًا.
وبين هذين النهجين، يتشكل نمط صراع لا يُحسم بضربة فاصلة، ولا يستقر على وتيرة واحدة، بل يتغير شكله مع كل مرحلة. فكلما زاد الضغط، برزت الحاجة إلى ضبطه، وكلما طال أمد المواجهة، تراجعت قدرة أي طرف على فرض إيقاعه الكامل.
تشير المعطيات حتى هذه اللحظة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توسيع العمليات، بل في تحديد لحظة إعادة التقييم وضبط الإيقاع. فالتأخر في ذلك يرفع الكلفة، والتعجل فيه يفقد التأثير، ما يجعل القرار أكثر تعقيدًا من مجرد الاستمرار أو التوقف.
وفي هذا الإطار، تتجه الحرب نحو مرحلة تختلف عن بدايتها، حيث تقل أهمية تحقيق مكاسب إضافية، مقابل أهمية الحفاظ على ما تحقق بالفعل. وتمثل هذه المرحلة بداية الانتقال التدريجي نحو ضبط النتائج، دون الوصول إلى حالة تهدئة مستقرة حتى الآن.
لا يظهر هذا التحول عبر إعلان رسمي، بل عبر تغير تدريجي في السلوك، حيث تتذبذب وتيرة العمليات، وتتراجع بعض الأهداف المعلنة، وتستبدل الأطراف لغة التصعيد بلغة أكثر مرونة، دون الاعتراف المباشر بالتغيير.
وفي نهاية هذا المسار، تدور الحرب ضمن معادلة يحكمها (الضغط) و(الإيقاع) و(الكلفة)، وتتحرك نحو (الاستنزاف) الذي يختبر (الصمود)، حتى تصل الأطراف إلى (توازن) يفرض (النتائج) دون أن يُفسَّر ذلك كتنازل.
اللواء البحري الركن / م .
عبدالله بن سعيد الغامدي
