الجامعة العربية إما الانزلاق أو التضامن
الجامعة العربية إما الانزلاق أو التضامن
لم تعد اللحظة الراهنة تحتمل المساحات الرمادية أو المواقف الملتبسة؛ فالجامعة العربية تقف اليوم أمام مفترق طريق حقيقي، لا يقبل التأجيل ولا يسمح بالمناورة. فإما أن تنزلق إلى هامش التأثير، ويتسارع فيها التآكل المؤسسي، وتتشظى مواقفها حتى تصل إلى حالة من التمزق، وإما أن تستعيد روح التضامن التي أُنشئت من أجلها، فتعود فاعلًا حقيقيًا في صياغة المشهد العربي المعقد.
لقد كشفت الأزمات المتلاحقة، وآخرها التصعيد بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى عن فجوة واضحة بين الطموح والواقع. ومع كل أزمة لا تُدار بفاعلية، يتآكل رصيد الثقة في العمل العربي المشترك، ويتعمّق التمزق في المواقف، حتى يصبح التنسيق استثناءً بدل أن يكون قاعدة. هذا المسار يضعف دور الجامعة ويهدد فكرة العمل العربي من أساسها.
إن الانزلاق لا يعتبر حدثًا مفاجئًا إنما عملية تراكمية تبدأ بتباين محدود، ثم تتحول إلى تباعد، قبل أن تنتهي إلى تمزق يصعب رأبه. ومع غياب آليات حازمة وقرارات ملزمة، يتحول التآكل إلى سمة دائمة، تُفرغ المؤسسة من مضمونها وتُبقي على شكلها المتهالك.
وفي هذا السياق، يبرز أحد أكثر مظاهر هذا الانزلاق وضوحًا، وهو عدم تبني موقف عربي حاسم تجاه الاعتداءات على دول الخليج. إن استمرار هذا الغياب يعكس خللاً واضحًا في أولويات العمل العربي المشترك، ويضعف الثقة في قدرة الجامعة على القيام بدورها الأساسي في حماية الأمن العربي وصون سيادة الدول الأعضاء. فحين تُترك قضايا بهذا الحجم دون موقف موحد، يتعمّق الشعور بالتمزق، ويتسارع التآكل في بنية التضامن العربي.
كما أن التحدي يتجاوز حدود البيانات الدبلوماسية إلى ضرورة اتخاذ مواقف صريحة تُجرّم أي تدخل أو اعتداء يمس سيادة الدول العربية، وفي مقدمتها السياسات الإيرانية التي ارتبطت بتوترات متكررة في المنطقة. إن غياب مثل هذا الموقف لا يفتح المجال لمزيد من التدخلات فحسب، وإنما يكرّس واقعًا تصبح فيه السيادة العربية عرضة للتجاذبات الإقليمية.
ينبغي أن ندرك أن التضامن في هذا السياق ليس شعارًا نظريًا، وإنما التزام عملي يفرض نفسه، ويقوم على وضوح الرؤية وتغليب المصالح المشتركة. وهو المسار القادر على وقف التآكل، واحتواء التمزق، وإعادة بناء الثقة بين الدول الأعضاء.
التحدي الحقيقي لا يكمن في توصيف الأزمات، وإنما في امتلاك الإرادة السياسية لمواجهتها. فكل تأخير في تبني مواقف حاسمة يمنح مزيدًا من المساحة لتكريس واقع التدخلات، ويضعف ثقة الشعوب العربية في جدوى العمل المشترك.
إنه لشعور مؤسف ومؤلم ـ حقًا ـ أن تقف جامعة الدول العربية موقف المتفرج أمام ما تتعرض له بعض دولها من اعتداءات، وكأن ميثاقها الذي وُضع لحماية الأمن العربي المشترك أصبح نصًا بلا أثر في الواقع.
في المقابل فإن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُفسَّر حيادًا، لكنه يُفهم على أنه عجز عن اتخاذ موقف جماعي يعبّر عن الحد الأدنى من التضامن. فالدول الأعضاء لا تحتاج بيانات مجاملة، بل تنتظر موقفًا واضحًا يردع المعتدي ويؤكد أن الأمن العربي كلٌ لا يتجزأ.
وحين تغيب المبادرة، تتراجع الثقة، ويتعزز الانطباع بأن العمل العربي المشترك لم يعد قادرًا على حماية مصالحه أو الدفاع عن سيادته. وهذا ما يفتح الباب أمام مزيد من التحديات والتدخلات، في ظل فراغ يُفترض أن تملأه مؤسسة بحجم الجامعة.
المتابع للمشهد العربي في السنوات الأخيرة يستغرب موقف الجامعة العربية مما يحدث، فكونهاتمثل رمزية تاريخية، إلا أنها لا تزال صامتة واقفة على الحياد وكأن الأمر لا يعني أمينها العام ، لذلك نحن نحثها على استثمار الفرص المتاحة لاستعادة دورها، غير أن هذه الفرصة مرتبطة بقدرتها على الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن العموميات إلى القرارات الواضحة. فإما أن تتحول إلى كيان يعبر عن إرادة عربية موحدة تدافع عن سيادة دولها، أو تستمر في مسار الانزلاق حيث يتزايد التآكل ويتسع التمزق.
آخر القول: لا يتعلق الأمر بخيار نظري، وإنما بمصير عملٍ عربي مشترك يقف بين مسارين متناقضين: تضامن يترجم إلى مواقف حاسمة تحمي الدول العربية، أو انزلاق يقود إلى التآكل ثم التمزق، ويُفقد الجامعة دورها ومعناها.

