كُتاب الرأي

الإبداع المُباع

الإبداع المُباع

محمد الفريدي

لم يعد الإبداع كلمة خالية من العيوب والنقائص كما كان يُخيَّل إلينا؛ فقد روّضوه وهذّبوه وغلّفوه، ثم عرضوه علينا في واجهات براقة ليُباع مثل أي منتج، وما يُقدَّم لنا اليوم بوصفه (إبداعا) في كثير من الأحيان ليس سوى مهارة في الإخراج، وخال من الصدق والصراحة والأفكار.

وجعلوه قادرا على جذب انتباهنا فقط، لا على خلخلة مسلّماتنا، وهنا تبدأ الكارثة حين يتحول إبداعنا من فعلِ جذب وتثقيف إلى سلعة استهلاكية، ومن صدمة فكرية إلى منتج خفيف يُستهلك بسرعة ويُنسى بسرعة أكبر.

الإبداعُ الحقيقي ليس زينة تُضاف إلى واقعنا، بل معولٌ يُوجَّه إلى بنيتنا الفكرية الصلبة، وليس مهمته أن يسكّننا، بل أن يجعلنا نستفيق من غفلتنا، وليس أن يمنحنا إحساسا بالإعجاب بأنفسنا، بل أن يضعنا في مواجهة أسئلة كثيرة نخاف من طرحها.

الإبداعُ ليس نسخة محسّنة من شيء موجود مسبقا، ولا إعادةَ ترتيب لأفكارنا المستهلكة، بل إضافةٌ جديدةٌ إلى وعينا؛ وشيءٌ لم يكن في ذهننا من قبل، وهو ما نُكسّر به مفاهيمنا القديمة ونضع مكانها فهما جديدا لا يمكن التراجع عنه بسهولة.

لكن ما يحدث اليوم هو العكس تماما؛ صار بيننا سباقٌ محمومٌ لإنتاج أي (محتوى)، لا لإنتاج محتوى فكري ذي قيمة تُذكر، وكلُّ شيء عندنا قابلٌ للنشر، وكلُّ شيء قابلٌ للتسويق، وكلُّ شيء قابلٌ للقياس بالمشاهدات والإعجابات والمشاركات.

وصار معيارُ إبداعنا هو الانتشار فقط، والمبدعُ منا من يعتمد اعتمادا كليا على الخوارزميات، لا على صدقه مع نفسه ومع قرّائه ومع الآخرين، فولد بيننا اليوم ما كنتُ أُسمّيه بالأمس بـ(الإبداع المروَّض)؛ الإبداعُ الذي لا يُزعج أحدا، ولا يطرح محتوىً مفيدا، ولا يُقرأ، ولا يؤثّر، ولا يقترب من المناطق المحرّمة، ولا يغامر بفقدان القبول أو المنع أو الانتشار.

الإبداعُ، في جوهره، فعلُ مواجهة مع لغتنا حين تضيق عن حمل فكرتنا، ومع فكرنا حين يتصلّب ويظنّ أنه قد اكتمل، ومع واقعنا حين نقدّمه كحقيقة مطلقة لا تقبل النقد والتشكيك؛ والمبدعُ الحقيقي لا يلمّع نفسه ولا يُلمّع العالم من حوله، بل يكشف تصدّعاته.

ولا يضع طبقة جديدة من الإسمنت فوق جدراننا المتصدّعة، بل يزيل الطبقات الكثيفة من تصوّراتنا وظنوننا، ولذلك يُخيفنا الإبداعُ الحقيقي لأنه يهزّ قناعاتنا ويهدد بديهياتنا ويضعنا أمام تشظّي الدلالات واهتزازِ اليقين.

كلُّ إبداع أصيل يحمل في داخله نزعةَ هدم، ليس هدما بمعناه العبثي، بل هدمًا موجَّها نحو أوهامنا المستقرّة فينا: وهم المعرفة الكاملة، ووهم الكمال الشكلي، ووهم أننا الوحيدون الذين نملك الحقيقة المطلقة.

والإبداعُ ينتقد المسلّمات، لا ليهدمها من أجل الهدم، بل ليفتح لنا آفاقا جديدة، ولهذا السبب يُساء فهمه غالبا في بداياته ويُرفض قبل أن يُحتفى به، قبل أن يُدرك الناس أنه لم يكن ضدّهم، بل ضدّ عقولهم القديمة.

في المقابل، أصبحنا نُعيد تعريف إبداعنا اليوم بوصفه منتجا (سهلا وغير مُزعج لأحد)، سهلَ الفهم، سريعَ الهضم، مناسبا لكل الأذواق، لا يثير خلافا حادا، ولا يُربك القرّاء ولا يشغل الرقابة، ويمرّ مرور الكرام كأنه لم يمرّ، وفقدنا جوهره الحقيقي، فتحوّل إلى استهلاك بلا تأثير، وإبداع بلا أثر.

الأخطر من ذلك هو ظاهرةُ (التبطين المُخادِع)؛ فنحن صرنا اليوم نُغلف أفكارنا السطحية بلغة متشابكة لتبدو عميقة وهي فارغة، ونستبدل العمق بالغموض، والالتواء بالفلسفة، والمعاني الواضحة بالتراكيب المعقّدة.

حتى يُخيَّل للقارئ أنه أمام عمل فكري كبير، بينما هو في الحقيقة أمام لعبة لغوية تخفي خواء مفاهيمنا، فإبداعنا لا يحتاج إلى أقنعة لغوية ليبدو مهما، بل إن صدقنا هو عمقه الحقيقي، لا غموضنا المصطنع الذي يزيّن فراغنا ويمنحنا أوهامَ المعنى والمحتوى.

الإبداعُ مرتبطٌ بحريّتِنا، لكن ليس بالمعنى السطحيّ الذي يردّده الجميع؛ فليست الحريةُ أن نقول أيَّ شيء يخطرُ ببالنا، بل أن نمتلك الشجاعةَ لقول ما لا يُقال، وأن نتحرّر من قوالبِنا الذهنية التي تشكّلت في السابق داخلنا دون أن نشعر، وأن نراجع مسلّماتِنا التي تربّينا عليها، وأن نجرؤ على كتابة أفكارنا علنّا حتى لو اهتزّت صورتُنا أمام الآخرين.

الإبداعُ ليس ومضة سحرية تهبط فجأة على عقل صاف، بل هو صراعٌ طويلٌ مع الفشل؛ فكلُّ عمل مبدع هو نتيجةُ عشراتِ المحاولاتِ الفاشلة، وسلسلةٌ من الإخفاقات، وأيام من الشكّ والتشكيك والريبة، والمبدعُ الحقيقي لا يُنتِج لأنه يعرف الإجابة، بل لأنه يعيش في حالةِ بحث عن الحقيقة.

حين تتحوّل مقالاتُنا وكتبُنا إلى وسيلة للحصول على الشهرة السريعة، تفقد روحَها؛ فالقَبولُ الفوريّ غالبا ما يكون إشارة إلى أن مقالاتِنا وكتبِنا لم تقل شيئا جديدا، بينما يُقابَل الإبداعُ الحقيقي غالبا بالتحفّظ والتشكيك، وربما بالسخرية، لأنه يكشف مناطق لم يكن أحدٌ يريد الاقتراب منها.

الدفاعُ عن إبداعِنا اليوم هو دفاعٌ عن عمقنا ككتّاب في زمنِ السطحية، وعن أفكارِنا المختلفة في زمنِ الصورةِ الثابتةِ والمتحرّكة، وعن أسئلتِنا العميقة في زمنِ الإجاباتِ الجاهزة؛ فنحن لسنا بحاجة إلى المزيد من الضجيج، بل إلى المزيد من الصمت الذي ينضحُ بالفكرة، ولسنا بحاجة إلى إنتاجِ مقالات أسرع، بل إلى تفكير أبطأ وأكثر صراحة وجُرأة.

إبداعُنا ليس كماليات ثقافية نمارسها في أوقات فراغنا، ولا هو تحصيلُ حاصل، بل هو ضرورةٌ وجوديةٌ بالنسبة إلينا تمنع أفكارَنا من التكلّس والتحجّر؛ فحين نتوقف عن خلخلة السائد يبدأ مجتمعُنا في الدوران حول نفسه، وتتكرر أفكارُنا، وتُعاد صياغةُ شعاراتنا، وتُستنسخ أعمالُنا، بينما يُخيَّل إلينا أننا نتقدّم.

أخطرُ ما يمكن أن يحدث لإبداعِنا هو أن يصبح مألوفا أكثرَ من اللازم، وأن يُستقبَل بالأحضان والابتسامات، وأن يُصفَّق له قبل أن يُفهَم؛ لأن الإبداع الحقيقي ليس هو ما يُدهشنا للحظة واحدة فقط، بل هو ما يُزعجنا طوال الوقت، ويظل يطاردنا بأسئلته، ويفتح جروحا في يقيننا لا تندمل، ويمنعنا من العودة إلى وضعنا السابق.

لسنا بحاجة إلى مبدعين يرضون الجميع، بل إلى أصوات تمتلك شجاعةَ الاختلاف، وإلى مقالات لا تُجمّل واقعَنا بل تضعه تحت المجهر؛ فالإبداع ليس ما يملأ وقتَنا بالغثاء، بل ما يملأ فراغَنا من الداخل بالمفيد، وليس ما يُسلّينا لنضحك ونُضحك، بل ما يوقظنا من غفلتِنا.

وفي النهاية، الإبداع الحقيقي ليس ما يجعلنا نقول: (ما أجمل هذا)، بل ما يجعلنا نتساءل: (لماذا لم نرَ هذا من قبل؟)، وليس ما يمرّ بنا مرور الكرام، بل ما يغير زاوية رؤيتنا لوطننا، وليس ما يرضي ذائقتنا، بل ما يعيد تشكيلها، وإذا لم يعد الإبداع قادرا على إزعاجنا، فالأرجح أنه لم يعد إبداعا، بل مجرد منتج آخر على رفّ مزدحم بالنسخ المتشابهة.

ثم إن السؤال الذي يجب أن نواجهه بلا مجاملة هو: من المسؤول عن هذا التدهور؟ هل هي صحفنا وحدها؟ أم قراؤها؟ أم نحن الكتّاب الذين قبلنا أن نساوم رؤساءَ التحرير على قوة أفكارنا مقابل النشر لنا واتساع الانتشار؟ الحقيقة الموجعة أن المسؤولية مشتركة، لكن النصيب الأكبر يقع على من يعرف ويصمت، وعلى من يستطيع أن يكتب بجراءة ويختار السلامة.

لقد اعتدنا أن نبرر تراجع سقف صحفنا وكتّابنا بحجة (الواقعية) و(المرحلية) و(مراعاة الذائقة)، حتى أصبح تنازلنا فضيلة، وقوة كتابتنا تهورا، وصراحتنا مخاطرة غير محسوبة، فانخفض منسوب مقالاتنا وصحفنا تدريجيا، لا بقرار معلن، بل بسلسلة تنازلات صغيرة، كل واحد منها يبدو بسيطا، لكنها في مجموعها صنعت هذا المشهد الباهت الذي نراه في صحفنا ومن كُتّابنا.

الإبداع لا يموت فجأة، بل يستنزف ببطء؛ يُسحب منه الصراحة أولا، ثم تخفف لغته، ثم تُقصقص أجنحتُه من قِبَل رؤساء التحرير بحجة الحكمة، حتى يصبح نصنا مؤدبا لا يؤذي أحدا ولا ينفع أحدا، صالحا للنشر، وصالحا للمشاركة، وصالحا للنسيان، (لا يهش ولا ينش).

وإن كنا جادين في استعادة إبداعنا وخدمة وطننا من خلاله، فعلينا أن نقبل بسوء الفهم والظن والاختلاف وربما الخسارة، فالكلمة التي لا ندفع ثمنها غالبا لا تساوي شيئا، والإبداع الذي لا يغامر لا يستحق اسمه؛ والمقالات المؤثرة لا تُكتب في منطقة الأمان، بل تُولد حيث يضيق الهامش ويتسع الخطر.

المعركة اليوم ليست مع الرقابة الخارجية فقط، بل مع رقابتنا الداخلية التي تُسكتنا قبل أن نُسكت، ومع الخوف الذي يتخفّى داخلنا في هيئة تعقّل، ومع رغبتنا العميقة في أن ننتشر في الصحف أكثر مما نُحترم، فإما أن نكتب لنُرضي الرقابتين أو أن نكتب لنُوقظ المجتمع، ولا يجتمع الأمران إلا نادرا؛ ومن أراد الجمع بينهما عاش بلا غاية، ولا صوت يُسمع، ولا أثر.

كاتب راي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى