كُتاب الرأي

*الأرض.. رؤية من خلف القمر*

*الأرض.. رؤية من خلف القمر*

عبدالعزيز بخيت الغامدي 

الاثنين 6 أبريل 2026

في غرف العمليات الأرضية، تزدحم الشاشات بخرائط ملتهبة باللون الأحمر ترصد ممرات مائية قلقة، وتذبذبات حادة لبورصات الطاقة تحت وطأة النزاعات. ولكن، على بعد آلاف الكيلومترات، يسود سكون مطبق داخل كبينة المركبة “أوريون”؛ حيث يطل أربعة بشر من نافذة صغيرة ليروا الأرض “رخامية زرقاء” وادعة، تسبح في صمت كوني مهيب، بعيداً عن ضجيج الرصاص وصراع الموارد.

هنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فبينما قد يشعل تأمين لتر واحد من الوقود صراعاً مريراً في مضيق مائي، يحرق هؤلاء الرواد أطنان الوقود للهروب من جاذبية هذا الصراع نفسه نحو آفاق المعرفة. وبينما تستهلك القوى الأرضية طاقتها في رسم حدود وهمية على الماء والتراب، لا يرى رواد “أرتميس” من علوهم الشاهق سوى محيط واحد يربط القارات، وغلاف جوي رقيق يحمي الجميع دون تمييز.

إن رحلة “أرتميس 2” – التي يحمل فيها القمر السعودي “شمس” طموحاتنا التقنية – ليست هروباً من واقعنا، بل هي تذكير بليغ بأن هذا الكوكب الصغير، الذي يبدو من خلف القمر كذرة غبار في شعاع شمس، هو “قارب النجاة” الوحيد لنا جميعاً. إن نجاح التواصل مع “شمس” وسط هذه التوترات، هو رسالة سعودية للعالم بأن الاستثمار في “وحدة المصير البشري” هو الطريق الأوحد للبقاء.

من خلف القمر، تبدو صراعاتنا الأرضية كعواصف في فنجان. لعلنا نحتاج لأن ننظر بعيون هؤلاء الرواد الأربعة، لندرك أن حماية هذا “الكويكب الصغير” تتطلب تعاوناً يتجاوز الحدود، تماماً كما تتجاوز “أوريون” حدود الجاذبية.

كاتب رأي

 

عبدالعزيز بخيت الغامدي

كاتب رأي وخبير تأمين ماجستير إدارة أعمال MBA - شهادة معهد التأمين البريطاني Cert CII - دبلوم إدارة المخاطر والتأمين المعهد الأمريكي DRI

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى