إيران والغرق وقت الصعود
إيران والغرق وقت الصعود
منذ سبعينات القرن الماضي، ومع قيام نظام الخميني ثم استمرار النهج في عهد علي خامنئي، اتجهت إيران إلى سياسات توسع خارج حدودها، حاولت من خلالها زعزعة استقرار عدد من دول المنطقة، معتمدة على أدوات متعددة من بينها تغذية الطائفية، وبث البغض والتفرقة، وتوسيع النفوذ المذهبي بما يخدم حضورها الإقليمي.
يبدو هذا الصعود في ظاهره تمددًا لقوة إقليمية تسعى إلى تثبيت موقعها، أقول قد يبدو ؛ غير أن مضمونه يكشف مفارقة واضحة؛ إذ يترافق مع مسار استنزاف طويل يطال المنطقة، ويعود أثره إلى الداخل الإيراني نفسه، حيث لقد أجحف قادتها بحقها وبحق شعبها، مما زاد من معاناته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
لقد ارتبط حضور إيران في العراق وسوريا واليمن ولبنان بسياقات مضطربة، حيث تراجعت مؤسسات الدولة، وتعقدت الأزمات السياسية، واشتدت الضغوط الاقتصادية، وتفاقمت معاناة الشعوب. هذا الحضور لم يُنتج حالة استقرار يمكن البناء عليها، وأوجد واقعًا تتراكم فيه الأزمات، حتى أصبح النفوذ مرتبطًا بمساحات التوتر أكثر من ارتباطه بمساحات الاستقرار.
وفي الداخل الإيراني، لم يتحول هذا التمدد إلى مكاسب ملموسة تعزز التنمية أو تحسن مستوى المعيشة. استمر الضغط الاقتصادي، وتزايدت التحديات اليومية، واتسعت الفجوة بين ما يُصرف خارج الحدود وما يحتاجه المجتمع من استقرار ونمو.
إن جوهر الإشكال يتمثل في طبيعة هذا المسار ونتائجه؛ فحين يرتبط النفوذ بإدارة الأزمات دون إنهائها، يتحول إلى عبء مستمر، وحين يغيب التوازن بين متطلبات الداخل وطموحات الخارج، يبدأ التآكل من الداخل بهدوء.
وهنا تتجلى فكرة الغرق وقت الصعود؛ صعود في المظهر، واستنزاف في الجوهر. فالدولة التي تتوسع دون قاعدة داخلية متماسكة، تجد نفسها أمام نفوذ مكلف لا يعزز استقرارها، ومسار يستهلك طاقتها بدل أن يرسخ قوتها.
وفي ختام هذا المشهد، تبرز متغيرات دولية وإقليمية قد تعيد تشكيل المسار، خاصة مع الحديث عن تدخلات كبرى تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة التهديدات، وما نتج عنها من إضعاف لقيادات كانت تمثل مراكز تأثير واسعة. ومع هذه التحولات، يلوح في الأفق احتمال اتجاه الحكم في إيران نحو التغيير، وهو تحول قد يفتح الباب أمام مراجعات عميقة تسهم في إعادة بناء الدولة على أسس أكثر توازنًا، ويعيد صياغة دورها في محيطها الإقليمي، لتصبح دولة نافعة تتعايش مع جيرانها وفق الاحترام المتبادل، وتساهم في ترسيخ قيم التنوع والشمول، بما يحقق الاستقرار لشعبها ويعزز أمن المنطقة بأسرها.
علي بن عيضة المالكي
كاتب رأي
