إعادة هندسة الإصلاح المجتمعي
إعادة هندسة الإصلاح المجتمعي
عبدالمحسن محمد الحارثي
في كل عملٍ راسخ ؛ ثوابت لا تُزاح، ومتحرّكات تتشكّل.
غير أنّ مرحلة التحوّل التي نعيشها لم تعد تحتمل إدارة هذا التوازن بعفوية ، بل تتطلّب إعادة هندسةٍ واعية لعمل لجان الإصلاح، تعيد ضبط العلاقة بين الثابت والمتغيّر، وتنقلها من الاجتهاد إلى البناء المنهجي.
فالإصلاح ليس نوايا حسنة تُلقى في ميدان النزاعات، بل ممارسة لها توصيف مهني وأدوات ومعايير.
غير أنّ الواقع يكشف اتكاءً ملحوظًا على الاجتهاد الفردي، لا على التأصيل المنضبط؛ وهذا خللٌ جوهري، إذ “الاجتهاد غير المنضبط قد يُصلح موضعاً ويُفسد آخر”.
مما يستدعي إعادة تصميم هذا المسار على أسسٍ مهنية واضحة.
ومن أبرز ما يُضعف أثر الإصلاح ؛ المجاملة وغياب الجرأة.
فمراعاة الخواطر على حساب العدالة لا تُنهي النزاع بل تؤجّله؛ لذلك قيل: “العدل أساس الإصلاح، والمجاملة أول طريق الفساد”.
وهنا تظهر الحاجة إلى مصلحٍ يُوازن بين اللين والحزم ضمن إطارٍ مهني مُعاد البناء.. قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]
كما أن المصلحين ليسوا سواء؛ فالتدرّج ضرورة لا ترف: مبتدئ، ومتقدّم، وخبير، لكلٍّ موقعه ضمن منظومةٍ واضحة المعالم ؛ لأن “وضع الرجل في غير موضعه إضاعةٌ له وإضاعةٌ للعمل”.
ولا يكتمل هذا البناء دون تأهيلٍ حقيقي ؛ فالإصلاح مهارة تُكتسب، لا حماسة تُمارس، “والعفوية في المواقف المعقّدة ؛ مخاطرةٌ لا بطولة”.
مما يفرض إعادة تصميم مسارات التأهيل نحو الاحتراف.
ومن أوجه القصور ؛ أن تجارب الإصلاح تُطوى بانتهاء الحالة، دون أن تُوثّق أو تُستثمر، فتتبدّد الخبرات ويُعاد الخطأ. بينما إعادة هندسة هذا الجانب تقتضي بناء ذاكرةٍ مؤسسية تحفظ التجارب وتطوّرها؛ لأن “الأمة التي لا تحفظ تجاربها ؛ تُعيد أخطاءها”.
ولا يعمل الإصلاح في فراغ، بل ضمن منظومةٍ أوسع تتقاطع مع الجهات الرسمية؛ وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين العرف والنظام، بما يضمن التكامل لا التعارض ؛ لأن “حين يتكامل العرف مع النظام ؛ يستقيم ميزان العدالة”.
ويظل الحياد حجر الزاوية في هذه المنظومة؛ فإعادة هندسة الإصلاح لا تستقيم مع تضارب المصالح أو تأثير العلاقات، إذْ “من لم يقف على مسافةٍ واحدة ؛ لا يرى الحقيقة كاملة”.
كما أن الثقافة المجتمعية جزءٌ من معادلة الإصلاح ؛ فرفض الحلول الوسط أو النظر إلى التنازل بوصفه ضعفًا يُعقّد المهمة.. قال النبي ﷺ: “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟” قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة.” (رواه الترمذي)
ومن هنا ؛ فإن إعادة هندسة الوعي المجتمعي ضرورة موازية ؛ لأن “أعظم الانتصارات ؛ ما خرج منه الطرفان بأقلّ الخسائر”.
ومن التحديات كذلك ؛ غياب المظلّة الفاعلة التي تحتضن لجان الإصلاح. فوجودها الشكلي لا يكفي، بل يتطلّب إعادة ضبط هندسة العلاقة بين الدعم والقرار؛ لأن “الحكمة بلا قوّة ؛ صوتٌ يُسمع ولا يُتّبع”.
كما أن ضعف التقدير المعنوي ؛ يُرهق المصلحين ويُضعف استمراريتهم، مما يستدعي إدماج التحفيز ضمن بنية الإصلاح المؤسسي؛ إذْ “ما لا يُقدَّر ؛ يذبل وإن كان عظيماً”.
ولا يُقاس نجاح الإصلاح بإغلاق النزاع فحسب، بل بمدى استدامته؛ فإعادة هندسة هذا العمل تفرض الانتقال من معالجة اللحظة إلى قياس الأثر ؛ لأن “الإصلاح الحقيقي ما صمد بعد غياب المصلح”.
في المحصلة ؛ فإن إعادة هندسة الإصلاح المجتمعي لم تعد خيارًا، بل ضرورة ؛ لينتقل من اجتهاداتٍ متفرّقة إلى منظومةٍ منضبطة تُدير النزاع وتبني الاستقرار.
لذلك ؛ “إذا انتقل الإصلاح من فزعةٍ تُطفئ لحظة، إلى منظومةٍ تُدير المستقبل؛ فقد وُضع المجتمع على أول طريق العافية”.
كاتب رأي
