كُتاب الرأي

إسلام آباد… تعثر التفاهم وصعود التفاوض تحت الضغط .

إسلام آباد… تعثر التفاهم وصعود التفاوض تحت الضغط .

لم يكن فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد مفاجئًا، بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمسار صراع بلغ ذروة التعقيد دون أن يصل إلى نقطة الحسم. فالتصريحات الصادرة، وعلى رأسها ما أعلنه جيه دي فانس، لا تعكس مجرد خلاف تفاوضي، بل فجوة عميقة في تعريف ( نقطة النهاية ) لكل طرف.

تظهر القراءة المتقاطعة للتحليلات الأمريكية الرصينة، في مدارس مثل The Wall Street Journal وThe Washington Post، أن ما جرى لم يكن تفاوضًا على اتفاق نهائي، بل محاولة لاختبار حدود الصمود السياسي بعد مرحلة ضغط عسكري مكثف. فواشنطن لم تدخل الطاولة بحثًا عن تسوية سريعة، بقدر ما سعت إلى ترجمة الضغط إلى تغيير سلوك طويل الأمد يطال الملف النووي وأمن الملاحة، بينما تعاملت طهران مع المفاوضات بوصفها أداة لمنع تحويل الضغط إلى إملاءات.

في هذا السياق، لم يكن الخلاف تقنيًا، بل استراتيجيًا بامتياز. الولايات المتحدة حاولت تثبيت معادلة تُقيّد حركة إيران في الإقليم، في حين سعت طهران إلى الحفاظ على أوراقها بوصفها جزءًا من توازن الردع، لا عناصر قابلة للتفكيك. وهنا يبرز مضيق هرمز كأهم أداة ضغط يومية، ليس فقط لإيران، بل كعامل تأثير مباشر في حسابات القوى الكبرى، نظرًا لارتباطه بأمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق.

وقد اصطدمت المفاوضات بثلاث عقد رئيسية:
أولها، تعريف وقف إطلاق النار، بين صيغة مؤقتة قابلة للمراجعة وأخرى شاملة ملزمة.
ثانيها، مسألة التعويضات، التي تصر طهران على إدراجها ضمن أي تسوية، مقابل رفض أمريكي قاطع.
وثالثها، الضمانات، حيث تسعى إيران إلى التزامات تقيّد التكرار، بينما تتحفظ واشنطن على أي صيغة تحد من مرونتها الاستراتيجية.

ورغم هذا التعثر، لا تدل المؤشرات إلى انهيار المسار، بل إلى إعادة ضبطه. فالفشل في هذه المرحلة يُعد جزءًا من عملية التفاوض، حيث تُرفع السقوف أولًا ثم يُعاد خفضها تدريجيًا نحو منطقة وسطى. ومن هنا، يُتوقع انتقال الحوار إلى مسارات فنية غير معلنة، تمهّد لجولات أكثر نضجًا.

وفي خضم هذا المشهد، تبقى دول الخليج العربي ، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، خارج دائرة التصعيد المباشر، لكنها في قلب التأثير الاستراتيجي، بحكم ارتباط أمنها الوطني واستقرارها الاقتصادي بأمن الممرات البحرية واستمرار تدفق الطاقة دون تهديد. وهو ما يجعل أي خلل في هذا التوازن مسألة تتجاوز أطراف الصراع لتطال الإقليم بأسره.

الخلاصة أن فشل جولة إسلام آباد لا يمثل نهاية المسار، بل انتقالًا من تفاوض عالي السقف إلى تفاوض تدريجي منخفض السقف، يقوم على خطوات محدودة وتفاهمات جزئية. فلا الولايات المتحدة قادرة على فرض تسوية كاملة، ولا إيران مستعدة لتقديم تنازل جوهري دون مقابل.

وعليه، فإن المرحلة القادمة لن تكون مرحلة إنهاء صراع، بل مرحلة إدارة سلوك تحت ضغط مستمر، ضمن توازن هش لا يسمح بالحسم، ولا يحتمل التصعيد .

 اللواء البحري الركن / م. عبدالله بن سعيد الغامدي

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

كاتب رأي - ملحق عسكري

تعليق واحد

  1. اجدت وافدت كما عهدناك سعاده اللواء قراءه واقعيه ومنطقيه وتحليل عميق يمنح القاريء تصور وصوره واضحه عن الاحداث الحاليه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى