أوّل كلية عربية في منطقة كيرالا
أوّل كلية عربية في منطقة كيرالا
✍️ د. أبو حماد ناصر الأنصاري المليباري – باحث أكاديمي، الهند
…………….
حين يقترب العام الدراسيّ من نهايته، أقف متأمِّلًا تلك الأيامَ التي مرَّت سريعًا في هذا الصرح العلمي العريق، الذي كان ولا يزال منبعًا للغة العربية وعلومها . لقد دخلتُ هذه الكلية في بداية العام الدراسي محاضرًا ضيفًا، غير أنني وجدتُ من أساتذتها وطلابها من حُسن المعاملة وكرم الاستقبال ما جعلني أشعر أنني واحدٌ منهم؛ فهنا لا تسكنُ الجدرانُ صامتةً، بل تنطقُ بتاريخ أجيالٍ تعلَّمت، وعلَّمت، وكتبت، وتركت بصماتها في صفحات الزمن.
تأسست هذه الدار العريقة سنة 1871م، فكانت منذ ذلك الحين منارةً للعلم في جنوب الهند، بل تُعدُّ أولَ كليةٍ عربيةٍ في منطقة كيرالا. ولعل أول ما يلفت النظر في هذه المؤسسة اسمها: دار العلوم، ويُقال إن هذا الاسم قد استُلهم من دار العلوم في مصر، وهو ما يعكس عمق الصلات العلمية بين علماء كيرالا والعالم العربي، ولا سيما مصر، حيث كانت الرحلات العلمية، والمراسلات، وتبادل الكتب والمخطوطات جسرًا للتواصل الحضاري والمعرفي.
غير أن دار العلوم في كيرالا لم تكن مدرسةً للغة العربية أو العلوم الشرعية فحسب، بل حملت منذ نشأتها رؤيةً علميةً شاملة؛ إذ أدرك علماؤها أن العلم لا يتجزأ، وأن الشريعة لا تعارض العلوم الكونية. ولذلك دُرست فيها، إلى جانب الفقه والنحو والحديث، علومٌ مثل الفلك وحساب الأزمنة. وما تزال آثار هذه الرؤية باقيةً إلى اليوم، كما نشاهد في جدران المسجد من رسومٍ تتعلق بفصول السنة وفق التقويم المالايالامي، مكتوبةٍ بالعربية المالايالامية. وكان محمد كُتّي صاحب، أحد كبار أسرة كوياباتودي العريقة في منطقة مالابار، هو الذي وضع اللبنة الأولى لهذه المؤسسة، وكان اسمها الأول: مدرسة تنمية العلوم. ثم جاء العالم الشهير الحاج شاليلكت كونج أحمد، فغيّر اسمها إلى كلية دار العلوم العربية، وأدخل فيها إصلاحاتٍ شاملةً في النظام التعليمي والإداري، مما رفع مكانتها العلمية. وقد شهدت في عهده تطويرًا للمناهج بإدخال مواد حديثة كالحساب والجغرافيا والفلك وقواعد اللغة المالايالامية، كما أُدخل نظام الصفوف، والمكتبة، وسجلات الحضور، وتقارير التقدم، واللوائح التنظيمية. وقد درّس في هذه المؤسسة التاريخية عددٌ من العلماء البارزين، منهم: جروشيري أحمد كُتّي مسليار، وشاليلكت كونج أحمد، وك. م. مولوي، والمناضل إي. مويدو مولوي، وموسى مولوي، والشيخ يوسف الفضفري، والشيخ محمد مولوي، وكنّياث أحمد مسليار، وك. س. عبد الله مولوي، وم. ت. عبد الرحمن مولوي، وغيرهم من أعلام العلم. ومع تطور مسيرتها، تأسست جمعية دار العلوم بإشراف أسرة كوياباتودي لتطوير الإدارة والنهوض بالمؤسسة. وقد حصلت الكلية على الاعتراف من جامعة مدراس سنة 1943م كأول كلية للدراسات الشرقية في منطقة مالابار، ثم واصلت تقدمها حتى نالت الانتساب إلى جامعة كاليكوت سنة 1973م. وفي ظل قيادة الدكتور عبد الله الأزهري، شهدت الكلية توسعًا علميًا ملحوظًا، حيث بدأت برامج أفضل العلماء، وتم فتح باب القبول للطالبات تدريجيًا، ثم حصلت سنة 1995م على الاعتراف ببرامج الدراسات العليا.
أما مكتبة دار العلوم هي كنزٌ من كنوز التراث؛ إذ تضم مخطوطاتٍ نفيسة ، ومن هذه المخطوطات كتاب “ذكر الموت” و”سراج القلوب وعلاج الذنوب” للشيخ زين الدين المعبري (ت 928هـ)، وهو من كتب الوعظ وتزكية النفس، وكذلك مخطوطة “رونق المجالس” لأبي حفص عمر بن عبد الله النيسابوري (ت 840هـ)، وهو من الكتب المعروفة في مجالس الوعظ والقصص. كما تحتوي المكتبة على مؤلفاتٍ في المذاهب الفقهية الأربعة، مما يدل على سعة أفق العلماء وحرصهم على التنوع العلمي. وقد تخرَّج في هذه المؤسسة عددٌ من العلماء البارزين، منهم الدكتور محيي الدين ألوائي، الذين أسهموا في خدمة اللغة العربية في كيرالا وخارجها.
واليوم، تواصل دار العلوم مسيرتها العلمية، حيث تضم برامج البكالوريوس والماجستير في اللغة العربية، إضافةً إلى برامج في التمويل الإسلامي، وقسمٍ للبحث العلمي. كما تحتوي مكتبتها على مئات البحوث العلمية التي تجاوزت خمسمائة بحثٍ، لتكون مرجعًا مهمًا للباحثين وطلاب العلم.
ومن أجمل ما يتزامن مع نهاية هذا العام الدراسي، أن الكلية تستعدُّ للانتقال إلى مبناها الجديد في العام القادم، بعد أن ظل المبنى القديم شاهدًا على عقودٍ من العلم والتعليم، يحمل في جدرانه ذكريات الأجيال وأصوات الدروس والمحاضرات. وسيبقى هذا المبنى جزءًا من تاريخ دار العلوم، بينما يمثّل المبنى الجديد بدايةً لمستقبلٍ أكثر إشراقًا وازدهارًا.
وأنا أغادر هذا الصرح، أحمل في قلبي مشاعر الامتنان والفخر بأنني كنتُ يومًا جزءًا من هذه المؤسسة، وأتذكر قول الشاعر:
وجدتُ فيكِ بنتَ عدنانٍ
ذكَّرتِني بداوةَ الأعرابِ
كاتب رأي

