كُتاب الرأي

أنا وصاحب السمو الإنساني

أنا وصاحب السمو الإنساني

في بداياتي مع قيادة السيارة ، كنت أظن أن الطريق يُفسَح لمن يجرؤ، لا لمن يلتزم.
مراهقٌ مغرمٌ بالسرعة، يرى في السيارة امتدادًا لاندفاعه، لا أمانةً بين يديه.
“وانيت” بسيط… لكنه في داخلي كان مساحةً للتمرّد، وصوتًا أعلى من الحكمة.
وذائقةٌ لا تقل اضطرابًا؛ تتنقّل بين أغاني خالد عبدالرحمن وميادة الحناوي، بينما تكتفي أمي – حفظها الله – بتعليقها الشهيرعندما ترى اهتمامي بسيارتي : “الله لا يبلانا!”، لكن تلك المحافظة على سيارتي الجميلة لم تستمر ، حيث تلقاها أخي عبدالله و”فَرٓطْ” الماكينة، وتأثرت كثيرا عندما رأيت ماء “الرديتر كسائل “الطحينة، – فسامحك الله – يا أبا راكان ..
لا علينا من تلك السيارة المدللة ، وما يهمنا هو الموقف الذي لا أنساه أبدا، ومازال في ذاكرتي حاضرا ..
كنت أسمع في حديث المجالس عن أمير المدينة المنورة ، صاحب السمو الملكي الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز رحمه الله ، وكيف كان محبوبا بين أهالي المدينة في ذلك الوقت ، وكان كثير التجوال في حارات المدينة لتفقد أحوال أهلها وسير المشاريع فيها.
وفي أحد الأيام ، كنت أعبر شارع عبدالله بن جبير، المتفرع من ميدان شهداء أحد في المدينة المنورة.
الطريق شبه خالٍ، والسرعة تغريني أكثر مما أحسن مقاومتها.
لم أكن أقود بعقل… بل كنت أُقاد بالطيش والتهور ،!
وعند اليوترن، امام “قاعة رانيا” توقفت سيارة تستعد للعودة إلى ميدان الشهداء .
مشهد عابر… حتى حدث ما لم أتوقعه،فالراكب بالسيارة جذبني لون بشته البني، وهيئته، وبجانبه السائق ويلتفت ويشير إليه: بأن يتوقف… وكأننيي اسمع خطابه للسائق:
توقف دعه يمر!!
تعجبت من ذلك الموقف والنظرات الموجهة إلى مراهق لا يعي بخطر السرعة
أنا؟! أنا الذي يفترض أن يُؤخذ على يده، لا أن تُفتح له الطريق!
اقتربت، خفّفت السرعة، نظرت…
وإذا بي أمام عبدالمجيد بن عبدالعزيز آل سعود، ذلك الأمير العظيم الذي نهابه ونحبه
لحظة صامتة… لكنها صاخبة في الداخل… لحظة احراج !!
عينٌ بعين..لا توبيخ… لا إشارة غضب…
بل سكونٌ مهيب، وثباتٌ يختصر المعنى.
تجاوزت سبارة الأمير المتوقفة … ولكني لم أتجاوز الدرس.
سألت نفسي: لماذا لم يستوقفني؟
لماذا لم يستخدم سلطته؟
لماذا اختار أن يتركني أعبر؟
ثم فهمت… أنه عبدالمجيد ذلك الرجل المتمكن ادارة وقيادة وحكمة.
فلم يكن بحاجة إلى كل ذلك.
لقد اختار أن يربّي، لا أن يعاقب.
أن يوقظ الوعي، لا أن يفرض الخوف..
أن يمنحني لحظة مواجهة مع نفسي… لا محضر مخالفة.
لم تكن أولوية مرور… كانت أولوية معنى، وهنا يتحوّل المشهد من موقفٍ عابر، إلى قراءةٍ في رجل.
عبدالمجيد بن عبدالعزيز آل سعود لم يكن أميرًا بالمنصب فحسب، بل بأسلوبه في التأثير.
حين تولى إمارة المدينة المنورة، أدرك أن المدينة ليست مشروعًا إداريًا، بل كيانٌ روحي وتاريخي، يحتاج إلى قيادةٍ تفهم خصوصيته قبل أن تُخطط لتفاصيله.
في عهده، شهدت المدينة توسعًا في بنيتها التحتية، وتطويرًا في طرقها وخدماتها، بما يواكب مكانتها واستقبالها للملايين من الزائرين.
لكن الأهم، أن هذا التطوير لم يُجرَّد من روحه؛ ظلّت المدينة مدينةً، بسكينتها، بهيبتها، ووقارها.
كان قريبًا من الناس، يسمع لهم، ويتابع شؤونهم، ويؤمن أن المسؤولية ليست منصبًا يُدار من خلف المكاتب، بل حضورٌ يُمارَس بين الناس.
دعم العمل الخيري، وساند المبادرات الاجتماعية، مدركًا أن التنمية تبدأ من الإنسان، قبل أن تُرى في الإسفلت والحجر.
أما أسلوبه القيادي، فكان مدرسة:
هدوءٌ لا يُفسَّر ضعفًا،
وحزمٌ لا يتحوّل إلى قسوة،
وتواضعٌ يزيد الهيبة ولا ينقصها.
لم يكن بحاجة إلى أن يرفع صوته ليُسمع،
ولا إلى أن يستعرض سلطته ليُحترم.
كان يكفيه موقف… كما فعل في ذلك الطريق.
وهنا تتضح الصورة:
ذلك التوقف عند اليوترن لم يكن تصرفًا عابرًا،
بل ترجمة حقيقية لفلسفة قيادة ترى أن التأثير أعمق من السلطة،
وأن القدوة أبلغ من العقوبة.
توقّف… ليعلّم.
نظر… ليوقظ.
ومضى… وقد ترك أثرًا.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد السرعة كما كانت،
ولم يعد الطريق مجرد مساحة للعبور… بل صار اختبارًا يوميًا للأخلاق،
وميدانًا صغيرًا تُمارَس فيه القيم الكبيرة.
وفي زمنٍ تُكتب فيه القوانين على اللافتات…
يبقى بعض الرجال يكتبونها… في النفوس.
رحمك الله يا أبا فيصل كمْ لك محبة في قلوب أهل المدينة ..
وحاليًا تعيش المدينة في ظل رعاية أميرها المحبوب سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز آل سعود، الذي يواصل مسيرة التنمية والاهتمام بمقوماتها الدينية والتاريخية، ساعيًا إلى تعزيز مكانتها وخدمة أهلها وزائريها، بما يعكس رؤية قيادية طموحة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا. وهو أميرٌ محبوبٌ من الصغير والكبير، عُرف بعطفه وقربه من الناس، وتميّز بحكمته في إدارة شؤون المنطقة، مما أكسبه مكانة رفيعة في قلوب الأهالي، وجعل حضوره مصدر طمأنينة وثقة للجميع
بارك الله في المدينة وأمرائها وأهلها وأرضها وخيراتها ونهضتها ..آمين

د. عبدالرحمن الوعلان

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى