أصالة الجذور ونقاء الفطرة

أصالة الجذور ونقاء الفطرة
ثمة يقين يسكن أعماقي، أن الإنسان الجيّد لا يُصنع اعتباطًا، ولا يُولَد في الفطرة ثم يذوب في الرذيلة، بل هو كالشجرة الطيبة التي ضربت جذورها في عمق الأرض، فإذا ما عصفت بها الرياح، تمايلت أغصانها ولم تنكسر، وظلّ عطرها يعبق في الأرجاء.
إن في داخل كل إنسانٍ أصيل بذرةً من نور، تشبه حبة القمح حين تستقر في جوف التراب، تُخفي سرّ الحياة، وتنتظر ساعة الانبعاث.
قد تمرّ عليها مواسم القحط، وقد يُثقِلها الغبار، لكنها ما تلبث أن تشقّ طريقها نحو الضوء، لتُعلن أن الخير أصلٌ لا يندثر، وأن الفضيلة إن غابت لحظة فإنها تعود لتزهر ألف مرّة.
من تربّى على المروءة، لا يعرف كيف يطأطئ رأسه لدناءة، ومن شبّ على الشهامة، لا يستطيع أن يُدير ظهره لمستغيث، ومن رضع لبان الصدق، يعجز لسانه عن التلوّن بالكذب، حتى وإن أراد.
تلك الأخلاق ليست قشورًا تزيّن ظاهر الإنسان، بل هي دمٌ يسري في عروقه، وروحٌ تضيء مسالكه، ونبضٌ يذكّره في كل لحظة بما هو عليه.
قد يتعثّر المرء، وقد يزلّ، لكن المعدن الأصيل لا يصدأ، بل يومض في عتمة التجارب، ويعود أكثر صفاءً بعد كل اختبار.
إن الأخلاق الكريمة حين تضرب جذورها في أعماق النفس، تُصبح قدرًا لا يُفلت منه صاحبها، كالنهر الذي يعرف طريقه إلى البحر مهما اعترضته الصخور.
فالإنسان الأصيل، مهما حاول أن يتنكّر لجوهره، سيظلّ كالسحابة البيضاء، لا تلبث أن تمطر خيرًا، ولو طالتها رياح الشتاء.
د. دخيل الله عيضه الحارثي