كُتاب الرأي

نص موجع ويسأل أين إنسانية الإنسان

نص موجع ويسأل أين إنسانية الإنسان

نصِّّ الشّاعرِ الْفلسْطِينِي- رائدْ شنْيورةْ- …
Raed Shniowrah

“فِي الْيوْمِ الثّالثِ عشرَ
بعْدَ انْقطاعِ الْخبْزِ
قضمْتُ قطْعةً منْ جلْدِي
بِبطْءٍ
كمَا تقْضمُ الضّباعُ أحْشاءَ فريسةٍ دافئةٍ

بعْدَ ساعةٍ
بدأَتْ أصابعِي تنْسَى أسْمائِي
ثمَّ رأْسِي صارَ خفيفًا كََكيسٍ فارغٍ

جلسْتُ قرْبَ بابِي
وكانَ الْبابُ عظْمًا مكْسورًا
وكانَ الْحيُّ حفْرةً
والشّارعُ أمْعاءَ طويلةً لِأفْعَى ميّتةٍ

فِي أحدِ الْأيّامِ
اسْتيقظْتُ ولمْ أعْرفْ وجْهِي
نظرْتُ إلَى الْمرْآةِ
كانَ هناكَ رجلٌ مَا، جالسًا فِي داخلِي
ينْظرُ إليَّ
كمَا ينْظرُ الْجائعُ إلَى جائعٍ آخرَ
ويضْحكُ

صرْتُ أتقيّأُ ظلالًا
أحْلامًا قديمةً
أسْماءَ أحبَّتِي
وصوْتَ أمِّي وهيَ تقولُ:
“مَا تأكلْشْ منَ الْأرْضِ”
لكنّنِي أكلْتُ

دخلْتُ بيْتَ جارِي
كانَ ميّتًا
لكنَّ ريقَهُ مَا زالَ دافئًا
أخذْتُ ملْعقةً
وشرعْتُ بِالْحفْرِ فِي بطْنِهِ
كَمَنْ يحْفرُ عنْ كنْزٍ فِي الرّمْلِ
أردْتُ أنْ آكلَ… فقطْ أنْ آكلَ
فوجدْتُ وجْهِي
نعمْ
وجْهِي
داخلَ بطْنِ جارِي
مضغْتُهُ
وبكيْتُ
ثمَّ بكيْتُ أكْثرَ
لِأنِّي تذكّرْتُ أنِّي بِلَا ماءٍ

وفِي الْيوْمِ الْعشْرينِ
بدأْتُ أتآكلُ
منَ الدّاخلِ
كأنَّ شيْئًا مَا
يشْتهينِي

فِي اللّيْلِ
خرجْتُ أمْشِي
وعظامي تصْدرُ أصْواتًا غريبةً
كأنَّهَا تُغنّي
كلْبٌ مَا عضَّ قدمِي
لكنّنِي شكرْتُهُ
لِأنّهُ انْتزعَ قطْعةً كانَتْ تؤْلمُنِي منْذُ أيّامٍ

فِي الْيوْمِ التّالِي
اسْتيقظْتُ علَى صراخِي
كنْتُ أنَا الّذِي أكلَنِي
وكنْتُ أنَا الّذِي صرخْتُ

والْآنَ
أنَا ظلٌّ لِرغيفٍ قديمٍ
سقطَ منْ يدِ اللّهِ
وتحلّلَ…

رائد شنيورة
شاعر من غزة

 

قرأتي للقصيدة

هذا النص للشاعر الفلسطيني رائد شنيورة ليس مجرد وصف للجوع، بل هو ملحمة فناء إنساني تُظهر كيف يتحول الإنسان في حصار الحرب إلى كائن يتآكل حتى يفقد ذاته. يبدأ النص من الجسد؛ الجلد يُقضَم، الأصابع تخدر، الرأس يصير كيسًا فارغًا، ثم يتسلل الجوع إلى الروح فيُفقد الإنسان ذاكرته، ويجعله غريبًا عن وجهه حين يراه في المرآة كرجل آخر يسكن داخله ويضحك له بمرارة الجائع للجائع. المكان بدوره يتحول إلى جثة، فالبيت عظم مكسور، والحي حفرة، والشارع أمعاء أفعى ميتة؛ في إعلان أن الحصار قتل الأمكنة وجعلها امتدادًا للموت. ومع استمرار النزيف الداخلي يدخل الشاعر في انقسام الذات والهذيان، فيتقيأ الأحلام وأسماء أحبته وصوت أمه، ويكسر وصيتها، ويأكل من الأرض، ثم يدخل بيت جاره الميت باحثًا عن طعام، ليكتشف أن وجهه نفسه مطمور في بطن جاره، وكأن الحدود بينه وبين الآخر قد انهارت.

تتتابع المفارقات المؤلمة في مشاهد لا تُنسى: العظام تغني من شدة الاحتكاك بعد أن ذاب اللحم، الكلب الذي يعضه يتحول إلى نعمة لأنه انتزع منه قطعة تؤلمه، والموت يُصوَّر ككائن جائع يشتهيه. في النهاية يصرّح: “كنت أنا الذي أكلني”، ليعلن أن الجوع لم يعد عدواً خارجيًا بل صار ذاتيًا، ثم يختتم بتحوّله إلى “ظلّ لرغيف قديم سقط من يد الله وتحلّل”، وهي صورة مهولة تجعل الإنسان مجرد بقايا خبز متعفن، علامة على غياب الرحمة وانطفاء آخر معنى للحياة.

النص في مجمله لا يصف جوع جسد فحسب، بل انهيار الإنسانية كلّها، وهو صرخة احتجاج ضد عالمٍ يسمح أن يصل إنسان إلى أن يأكل نفسه، ويجد وجهه في بطن جاره، ويصير أثرًا لرغيف متحلل. إنه سؤال موجع يترك القارئ أمام مرآة قاسية: أين إنسانية الإنسان؟💔

الدكتورة سارة الأزوري

 

 

الدكتورة سارة الأزوري

أديبة وشاعرة وقاصة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى